مجلة أبيض وأسود

وتأتي الانتخابات التشريعية الجديدة، ونحن نأمل (كما أملنا في السابق) أن تكون فاتحة جديدة أيضاً لدور تشريعي بكل ما في الكلمة من معنى، والمعنى هنا (ليس في قلب الشاعر فقط) بل في (قلب المواطن) الذي يحلم بمن يمثله تحت قبة البرلمان تمثيلاً نيابياً (لا تمثيلاً درامياً) يحمل همومه القريبة والبعيدة ليضعها أمام أصحاب القرار في السلطة التنفيذية، ويسلط الضوء على الكم الهائل من المشكلات التي يعاني منها السوريون، والتي تبدأ بأبسط ما يمكن أن يقال عنه (القوت اليومي) ولا تنتهي بحلم مواطن بفرحة تغزو قلبه، وتفتح عينيه على مستقبل معافى من الهموم لأبنائه من بعده.. السوريون يعرفون حق المعرفة أن من يرغب بالوقوف تحت قبة مجلس الشعب يجب أن يمتلك القدرة الحقيقية على الحراك والحوار داخل المجلس وأن يكون موضع ثقة ناخبه الذي صوت له ليس من أجل منحه صفة الشخصية العامة أو النيابية فقط، بل من أجل أن يبرهن على جدارته بالأصوات التي حصدها من خلال محافظته على مصالح أصحاب تلك الأصوات ومستقبل أبنائهم من بعدهم، وإن أربع سنوات ستنقضي ويبدأ دور تشريعي آخر يكمل ما بدأه أعضاء آخرون ينضمون إلى السلطة التشريعية بنفس الحماس وذات الهدف..

نكون مخالفين للحقيقة لو قلنا إن هذا قد حصل في السابق (إلا فيما ندر) فلم يسمع ناخب بمرشح صوت له وقام هذا المرشح بدوره بعد أن أصبح نائباً أو مارس حقه كممثل للشعب كما يجب، وهنا نكرر كلمة (إلا فيما ندر) فمن خلال عدة لقاءات شخصية، مع عدد غير قليل من الأعضاء السابقين في مجلس الشعب صرح أغلبهم بعدم رضاهم عن أدائهم أو أداء المجلس بشكل عام، وعزا بعضهم الأسباب إلى الحكومة غير المتعاونة أحياناً معهم، أو إلى أعضاء المجلس أو إلى ذواتهم، وهؤلاء يعرفون تمام المعرفة أن المطلوب الآن كما كان في السابق هو النجاح وليس الفشل والاعتراف به (وكأن شيئاً لم يكن) وإعادة الكرّة والترشيح والانتخاب (والتطبيل والتزمير) وهكذا إلى مالانهاية..

إن متابعة دقيقة للإعلانات والدعايات الانتخابية المنتشرة في الشوارع الآن توحي بحقيقة أن لا خطة عمل لأي مرشح، أو لنقل لا شيء واضح سوى شعارات هلامية أو غائمة وخطوط عريضة لأهداف تحتمل مجلدات في الوصف، وضعت إلى جانب الصور الملونة وتقدم للمشاهد انطباعاً وكأن هدف المرشح هو الفوز بأي شكل من الأشكال مستخفين بعقول الناخبين بتلك الصور والشعارات غير المفهومة أو غير واضحة الملامح.. وعلى كل نتمنى، رغم كل ما وصفناه من شعارات (مطاطة) وانعدام البيانات الانتخابية وخطط العمل على المرشحين الذين سيفوزون، أن يكونوا جديرين فعلاً بتمثيل مصالح الشعب السوري.. ما سبق كان المشهد السائد في الشارع، ولكن بودنا أن نقول كلمة حق:

إن الانتخاب واجب واطني والتقصير فيه يعني أن المواطن قد قصر بواجبه تجاه الوطن، ونرى بأن هذه مسلّمة لا تخضع للنقاش.

ومهما كانت الظروف التي تحدثنا عنها (للمرشحين) فالانتخاب حق للمواطن عليه عدم التخلي عنه.

أما بعض المرشحين الذين سبق أن عرفنا بعضهم عن كثب، ولم يشعر المواطن بوجودهم أثناء الدور التشريعي السابق من خلال دورهم الذي كان من المفترض أن يمارسوه وأن يؤثر إيجاباً على الناخب سواء على صعيد التشريع أو على صعيد الحياة اليومية، هؤلاء الذين لم يعرفهم ناخبهم سوى أيام الدعاية الانتخابية والـ(طبل والزمر) فهؤلاء إن كانوا قد قصروا (بحق الناخب) فإن محاسبتهم واجب لا يقل أهمية عن واجب الناخب بالإدلاء بصوته.. ولكن من يحاسب هؤلاء المقصرين.. جوابنا بسيط جداً، فالناخب ذاته هو صاحب الحق بمحاسبتهم على أدائهم إن كان هذا الأداء معدوماً أو مترهلاً أو فاسداً أو مفسداً أو كل ذلك..

ولكن كيف تتم المحاسبة؟

ببساطة أيضاً يحاسب هؤلاء على عدم التصويت لهم واستبعادهم من ورقة الاقتراع لأنهم لم يكونوا أهلاً لتمثيل الشعب (فالمجرب لايجرب).. وليصوت المواطن لغير هؤلاء.. متمسكاً بحقه الدستوري بالتصويت النزيه والشريف.