ما يحدث اليوم سمعناه خلال شهر تموز وآب من صيف عام 2006، وهو لم يكن وعدا على لسان أمين عام حزب الله حسن نصر الله، رغم انه تحدث عن تبدل عميق نتيجة الحرب، لكنه نتيجة افتراق "الخيار" الإقليمي ولو لفترة وجيزة عن السكون والترقب، والتعامل مع الحدث بشكل ظهر وكأنه صيغة لحرب إقليمية، لم ينخرط فيها عسكريا سوى حزب الله والدولة العبرية، ولكن على المستوى السياسي ظهر صراع إرادات واضح، ومحاولات لرسم تحالف سريع يمكن أن يبدل صورة المنطقة.

وعندما تتبدل التوجهات الأمريكية اليوم او تتنافس باتجاه الشرق الأوسط فإننا نستطيع إعادة قراءة الحدث السياسي على الأقل الذي ظهر في تموز 2006، ويعيد اليوم التحرك الدبلوماسي في الشرق الأوسط من جديد، دون أن يعني هذا التحرك انفراجا، لكنه يشكل المحاولة الأولى بعيد أن سيطرت رؤية واحدة في التعامل مع الشرق الأوسط. والمشكلة التي تواجه التحرك السياسي الأمريكي أو الأوروبي هي طبيعة التفكير السياسي الذي يحكم المنطقة عموما، حيث يمكن رصد المؤشرات التالية:

-  إذا كان منطق العزل السياسي، وعلى الأخص بالنسبة لسورية، استنفذ أغراضة فإن الواقع السياسي يحتاج اليوم لقراءة المرحلة السباقة بشكل كامل، فالتحول الذي يحصل اليوم يقوم أساسا على اعتبارات أمريكية بالدرجة الأولى وليس لأي اعتبار للأداء السياسي إقليميا. وهذا الأمر هو ما يدفع بيلوسي لزيارة المنطقة والتشاور في دمشق، فهذه الجولات ستخلق الصورة المستقبلية للتعامل مع معظم الأزمات.

-  عربيا فإن الملفات العالقة من العراق إلى فلسطين لم تأخذ بعدها الكامل في التعامل السياسي، واعتبار ان هذه الأزمات ليست صراعا منفردة، بل هي نتائج استراتيجية لمرحلة سياسية كاملة، فالعودة إلى المبادرة العربية هو مثال فقط لاستخدام نقطة بداية تنتمي لزمن سابق.. ويمكن قياس هذا الأمر على باقي الملفات.

عمليا فإن زيارة بيلوسي المرتقبة إلى دمشق لن تعطي نتائج ملموسة، فهي مرحلة تريد التيارات السياسية الأمريكية عبورها، معتبرة أنها ضرورية سواء للاعتبارات الانتخابية أو حتى لبلورة استراتيجية تستوعب نتائج ما يقوم به المحافظون الجدد اليوم، وهي بالتالي تخرج عن مرحلة التقويم الذي يمكن ان يؤدي إلى انفراج سريع في العلاقات السورية – المريكية، لكنه بلا شك مساحة جديدة يمكن عبرها البدء في بلورة "الحدث" المستقبلي، مع ملاحظة ان هذه الزيارة تشهد ايضا تنافسا سياسيا إقليميا، ربما باشر فيه أولمرت عندما تحدث عن عدم معارضته لإجراء مفاوضات سلام مع سورية، وهذا الأمر يرتب على السياسة السورية كسر هذا التنافس "الإعلامي"، لأن مسألة السلام بالنسبة لها تضم حزمة من المسائل المترابطة رغم وضوح الشروط التي وضعتها سورية مسبقا لعملية السلام.