عبد اللطيف مهنا

في مقالة له نشرت في صحيفة "يواس تودي" الأمريكية، طرح أنطوان فان آغتميل، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي الأول لشركة "ايرجينغ ماركتس مانجمنت" سؤالاً لعله اليوم، وفي المستقبل القريب، السؤال الأهم أو الأكثر إلحاحاً بالنسبة للنخب السياسية والاقتصادية والعسكرية، وحتى الثقافية، الأمريكية، بل يمكن القول، أنه، وفي هذه الحقبة من تاريخ الولايات المتحدة، سوف يعتبر سؤالاً مصيرياً، لا سيما بالنسبة للمحافظين الجدد تحديداً، بالإضافة إلى من يجاورهم من اتجاهات يمينية في الخارطة النخبوية الأمريكية. نعني هؤلاء الملتاثين بالنزوع الإمبراطوري المستشري في زمن تفرّد الولايات المتحدة بأحادية القطبية، الذي أعقب نهاية الحرب الباردة، وفي ظل تضخم إحساسها الذي نجم عن هذه النهاية بقدرتها على الإطباق على عنق العالم متى شاءت وسهولة تصرفها بمصائره... السؤال الذي طرحه آغتميل نيابة عن هؤلاء جميعاً هو: "كيف يمكن للولايات المتحدة أن تبقى على صدارة العالم"؟

لم يطرح الرجل هذا السؤال من فراغ، وليس آغتميل أو من هم مثله من الاقتصاديين هم أول من طرحه، بل سبقهم إلى طرحه سواهم في شتى الحقول الأخرى وفي مقدمتها بالطبع المستويات السياسية والعسكرية أيضاً، كما أن الإجابة عنه قد غدت هاجساً، بل هي في حكم الضرورة بالنسبة للقوة العظمى الوحيدة المهيمنة على قرار العالم، خصوصاً في الأونة الأخيرة، حيث المكانة والهيبة والمصداقية وبالتالي السطوة الأمريكية تتراجع، أمام أنظار واشنطن وأبصار أصدقائها قبل أعدائها في العالم، بعد أن غدت مشاريع هيمنتها الكونية وسياساتها الاستباقية تتعثر في أصقاع عدة من الكرة الأرضية، أولها في حديقتها الخلفية التقليدية أمريكا اللاتينية، وثانيها في آخر بؤر حروبها الكونية الملتهبة في العراق وأفغانستان... ثم أن تململ المراكز الكونية الدولية الناشئة الطامحة لدور أكبر في العالم يتوازي مع ثقلها قد غدا أمراً ملموساً، بدءاً بالحليف التقليدي لها المتمثل في القارة الأوروبية العجوز، أو الاتحاد الأوروبي العملاق اقتصادياً والقزم سياسةً دوليةً أو دوراً كونياً، مروراً بروسيا المستعيدة عافيتها ببطء بعد تراجعها الدرامي عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، وانتهاءً بالعملاقين الناميين بشكل لافت الصيني والهندي، وهكذا... آغتميل، ومن موقعه الاقتصادي يحاكم موقع بلاده الكوني، لذا يعترف: لم تعد الولايات المتحدة المركز الاقتصادي في العالم. وإذ يلاحظ أن تحولاً في المشهد العالمي لا سيما المتعلق بدول "العالم الثالث السابقة"، وحيث لا يفوته أن الاقتصاديات الجديدة فيه تختطف إليها الأبصار وتحظى بالاهتمام، يقر بأن الاقتصاد العالمي أخذ يشهد تحولاً بعيداً عن ما دعاه العالم المتقدم، ينحو باتجاه الأسواق الناشئة في أسيا وأوروبا الشرقية والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. وعليه يدعو بلاده إلى ما يطلق عليه "الإبداع وليس الحمائية" باتجاه ما أسماه "الاقتصاد الجديد"، وهذا يتطلب في رأيه حملة "تنافسية قومية"، ولا يستبعد أن هذه المسألة بالذات سوف تكون أحد القضايا الأساسية للحملة الرئاسية الأمريكية القادمة...

وحيث لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد فإن هم آغتميل الاقتصادي هذا توازيه، كما ألمحنا، هموماً أمريكياً في مجالات عديدة أخرى. فالبنتاغون مثلاً يشاركه القلق حول إمكانية نجاح الاستراتيجية التي تم تبنيها عام 2002، والقاضية بعدم السماح لأي دولة في العالم باللحاق بالولايات المتحدة أو التفوق عليها في المجال العسكري... إذن مكانة الصدارة الكونية الأمريكية تهتز اليوم ومسألة الحفاظ عليها مستقبلاً أصبحت هماً له تداعياته الكونية التي نشهد راهناً بعضها في نتائج هذا الجموح الذي ساق الإدارة الراهنة إلى اعتماد القوة المنفلتة أو بالأحرى البلطجة وسيلة للحفاظ على هذه الصدارة المهتزة، والتي يمكن القول أنها بفضل مثل هذه السياسات الخرقاء قد باتت اليوم أكثر اهتزازاً.

في هذه العجالة، لنأخذ مثلاً واحداً من أمثلة كونية عديدة تقلق النخب الأمريكية التي بدأت تستشعر إرهاصات بداية العد العكسي للهيمنة الإمبراطورية الأمريكية على العالم، إلا وهو الصين، ونكتقي بالإشارة إلى الإصداء الأمريكية التي أعقبت إعلان بيكين مؤخراً زيادة موازنتها العسكرية للعام الجاري 17,8%، وهو الأمر الذي حدا بواشنطن، التي سارعت إلى التعقيب قائلة أن هذه الزيادة "لا تتماشى مع سياسة بيكين للتنمية السلمية"، إلى إرسال نائب وزير الخارجية جون نيغروبونتي إلى بيكين حاملاً معه هذا القلق داعياً الصينيين إلى ما دعاها الشفافية في الأنفاق العسكري.

قبل وصول نيغروبونتي إلى بيكين كان قد أعلن المتحدث باسم البرلمان الصيني: أن "ميزانية الدفاع الوطني الصيني للعام الحالي ستكون 350 مليار يوان صيني، أي بزيادة 17,8% عن العام الماضي". وقال روبرت غيتس وزير الحرب الأمريكي معلقاً على هذا الإعلان: "أعتقد أن الصينيين ينفقون على جيشهم أكثر مما يظهر في الموازنة، هناك أمور تتعلق بالقدرات العسكرية للصين تشكل مصدراً للقلق"... وبعد عودة نيغروبونتي لا حاجة للقول أن الصينيين لم يكونوا أكثر شفافيةً وأن قلق غيتس لم يتبدد!

قد يكثر المنافسون للولايات المتحدة مستقبلاً الذين سوف ينازعونها حتماً صدارة العالم. لكن الصين أو التنين الأصفر المنطلق هذه الأيام حول العالم سيظل بالنسبة لها مصدر القلق الأول أو التحدي الاستراتيجي الأكبر، الذي لا تتحول انظارها عنه متحسبة لما ستؤل إليه هذه المنافسة، لا سيما وهي تلاحظ غير مسرورة أن هذا العملاق الاقتصادي والبشري بات المرشح الأقدر على منافستها على النفوذ إقليمياً ودولياً في المستقبل القريب. فالصين، التي أصبحت تغرق العالم بمنتجاتها قليلة التكلفة، تشهد للعام الخامس عشر على التوالي فائضاً ومعدلات نمو اقتصادي هائلة. إذ أن الفائض التجاري للعام المنصرم قد بلغ 177 بليون دولار، ومن المتوقع أن يغدو 200 بليوناً هذا العام، وأصبح لديها أضخم احتياطي من العملة الأجنبية بلغ أكثر من 1000 بليون. بل يقول الاقتصاديون أن هذا البلد مضطرد النمو بشكل لا مثيل له يعاني تخمة أو مشكلة إيجاد الآلية المناسبة لاستخدام هذه الفوائض المالية المتراكمة والمتدفقة عليه. بل وصل حد محاولة تقليص الحوافز المغرية لتدفق الاستثمارات من الخارج.

هذا النمو، الذي أرسى دعائمة الراحل دنغ هيساو بينغ، أو أبو سياسة الانفتاح التدريجي وطرق سبل نقل التكنولوجيا من الغرب إلى بلاده، قد بلغ مستوى تشعر فيه الصين اليوم بعدم حاجتها إلى مزيد من المهادنة أو ممارسة التقية في تعاملها مع الولايات المتحدة، أو انتهاج ذات السياسة المتبعة من قبلها في الساحة الدولية خلال العقد ونصف المنصرمين، لذا هاهو قد جاء الوقت المناسب لتتوازي فيه القوة الاقتصادية الفتية بما يناسبها من النفوذ السياسي الكوني الذي تحدو أصحابه قناعة تترسخ بقدوم عصر مقبل من تعدد الأقطاب لا محالة... إذن النمو الاقتصادي الصيني هذا لا بد له من رديفٍ أو نمو آخر، يتمثل في نشاط سياسي وديبلوماسي صيني يتصاعد في شتى بقاع المعمورة، الأمر الذي نلمسه بوضوح هذه الأيام، ويتابع الأمريكان تعاظمه في حديقتهم الخلفية المتمردة عليهم في أمريكا اللاتينية، والمثال الكوبي والفنزويلي وسواه شاخص للعيان، وصولاً إلى أفريقيا السوداء المهملة من الغرب التي تشهد أوغالها اليوم المزيد من المشاريع والاستثمارات التنموية الصينية.

وعليه، يأتي هنا دور المجال التقني فالعسكري، فالبلد الممتلك لأكبر جيش في العالم، والذي غدا لديه طائرات حربية متطورة من نوع ديان 10 المقاتلة، التي تقابل طائرات ال ف16 الأمريكية، نجح في إسقاط قمر صناعي قديم خاص به بصاروخ من ترسانته المتطورة باستمرار، الأمر الذي كان وسيظل مثار قلق لدى الغرب بأسره ومعه الجارة اليابان الأشد قلقاً. وليس هذا فحسب مصدر القلق في هذا المجال، بل إن توجه الصين لإنتاج طائرة ركاب عملاقة تحمل أكثر من 150 راكباً تنافس الإيرباص الأوروبية ونجاحها في إيقاف عمل قمر تجسس أمريكي عليها بأشعة ليزر زاد من منسوب هذا القلق الغربي والأمريكي تحديداً... لعل هذا وراء المحاولات الأمريكية الحثيثة لدفع اليابان نحو ولوج مرحلة سباق تسلح مع الصين بغية محاصرتها، وذلك بتشجيع طوكيو على السير باتجاه إلغاء المادة السابعة من دستورها التي تحول دون تطوير قدراتها العسكرية. وربما سوف تحاول واشنطن نفس هذا مع كلٍ من أستراليا وكوريا الشمالية في المستقبل القريب. لن يتوقف القلق الأمريكي عند الصين وحدها وسوف يتعاظم الهم الأمريكي الناجم عن خشية فقدان الصدارة الكونية، وسوف تزداد الهواجس مع أي إرهاص قد يشي ببوادر أو حتى احتمالات، تكتل صيني روسي هندي... عندها سوف تصبح هذه الصدارة ليست مهتزة فحسب وإنما ستغدو حتماً في مستقبل الأيام غير البعيدة في خبر كان... آغتميل من زاويته الاقتصادية دق ناقوس الخطر!