الاتحاد / ويليام فاف

لقد تحولت الحربان الأميركيتان اللتان أشعلتهما هجمات الحادي عشر من سبتمبر، إلى حربين ثقافيتين، ولكن دون أن تتنبه إدارة بوش ولا الرأي العام الأميركي لهذه الحقيقة. ومن الناحية العملية، فهما في الواقع هجمتان على الملامح الاجتماعية الأساسية، أي على الثقافة والدين في كل من أفغانستان والعراق. وهذه أمور لا يفقه فيها الأميركيون كثيراً، أو ربما لا يدركونها أصلاً. وهذا هو عين السبب الذي أدى لإخفاق هاتين الحربين في تحقيق مقاصدهما وأهدافهما الرئيسية. أما بقية التكتيكات والاستراتيجيات اللاحقة، من زيادة لعدد القوات في العراق، وتعزيز لمهمة حلف "الناتو" في أفغانستان، وابتكار خطة أمنية جديدة في العراق.. وما إليه من استراتيجيات جديدة في الطريق، فكل ذلك مما لا طائل منه، وما لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد النزاع والألم. أما إذا ما مضت واشنطن في تصعيد مواجهتها العسكرية مع طهران، ووجهت إليها ضربة عسكرية بالفعل، فإن الوضع لن يزداد إلا سوءاً وتدهوراً. على أن الأمر سيكون مختلفاً جداً، فيما لو شُنت هاتان الحربان، بغية تخليص البلدين من احتلال أو غزو أو تدخل أجنبي في شؤونهما الداخلية، على غرار الدعم الذي قدمته الولايات المتحدة لأفغانستان، طوال سنوات كفاحها ضد الغزو السوفييتي لها. ففي تلك الحالة، كانت الولايات المتحدة تقف إلى جانب الاستقلال والسيادة الوطنية الأفغانية. وكذلك الحال في حرب الخليج الأولى، التي شنها التحالف الدولي ضد العراق، بهدف تحرير الكويت من الغزو العراقي له، في عهد صدام حسين. أما اليوم، وسواء كان الأمر في العراق أم في أفغانستان، فإن هناك قتالاً أهلياً داخلياً بين القوى المحلية نفسها، إلا أن الحقيقة التي لا مراء فيها، أن العنصر الطاغي في كلا البلدين، هو الاحتلال الأجنبي، سواء كان من قبل حلف "الناتو"، أم من أميركا. والحقيقة أيضاً، أنه لم تشكل أي من الدولتين، تهديداً مباشراً لأمن الولايات المتحدة الأميركية، أو لأمن أي من حلفائها. والشاهد أن واشنطن لم تغزُ أفغانستان، إلا لإيواء هذه الأخيرة لأسامة بن لادن، وتوفير قواعد عسكرية لتنظيمه فيها، وليس لأن حركة "طالبان" الحاكمة حينئذ، ألحقت ضرراً بأمن الولايات المتحدة، أو لأن لها نوايا أو قدرة على الإضرار بالأمن الأميركي أصلاً. أما في حالة العراق، فقد كان واضحاً منذ البداية، أن ذريعة أسلحة الدمار الشامل العراقية، التي شنت بموجبها الحرب على بغداد، كانت ملفقة أصلاً، وأن عدة أجهزة ووكالات استخباراتية مغرضة، وفرت أدلة كاذبة لتوفير الدعم اللازم لعزم إدارة بوش وتصميمها على غزو العراق. والحقيقة أن الإدارة الأميركية ما غزت العراق، إلا لأنها عقدت العزم على ذلك، وأن الأمر لا علاقة له البتة، بهجمات الحادي عشر من سبتمبر. وفي كلتا الحالتين -العراق وأفغانستان- فقد كانت النية المبيَّتة، هي تنصيب حكومات موالية لأميركا، ولا علاقة لها بالمصالح الوطنية العراقية أو الأفغانية، إضافة إلى غربتها على الواقع السياسي الثقافي لكلا البلدين. وفي العراق كما في أفغانستان، تسود البنية الاجتماعية القبلية العشائرية. ولذلك فإن أمن الفرد وتقدمه، إنما يعتمدان على الرباط العرقي العشائري المشترك، وكذلك على عرى العقيدة الدينية أو الطائفية المشتركة، إضافة إلى الدور الاقتصادي الاجتماعي، الذي تؤديه الجماعة القبلية أو الطائفية، في الإطار الاجتماعي الأوسع نطاقاً. وقد كانت لهذه المجتمعات، دون أدنى شك، وسائلها التفاوضية العشائرية أو الطائفية الخاصة، فيما يتصل بعملية اتخاذ القرارات السياسية الوطنية العامة، أو التشاور حولها. ففي أفغانستان، هناك مجلس "اللويا جيرغا" أي مجلس أعيان وشيوخ القبائل والعشائر. وغني عن القول إنه مجلس استشاري، له سلطة التفويض التي تؤهله لتمثيل الرأي العام الواسع، في كافة وجوهه السياسية والدينية والاجتماعية. وبحكم تركيبتها العشائرية الطائفية هذه، فهي مجتمعات معرضة دائماً للاحترابات العرقية ولهيمنة لوردات الحرب عليها. ولها من النزاعات الداخلية، ما يحفز القوى الأجنبية للتدخل من حين لآخر في شؤونها. ولكن عادة ما ينتهي الأمر بهذه القوى الأجنبية، إلى الندم على تدخلاتها. وكان القصد الأولي من التدخل الأميركي في أفغانستان، هو تدمير تنظيم "القاعدة"، وقتل أو إلقاء القبض على زعيمه أسامة بن لادن. لكن وما أن تمكن هذا الأخير من الفرار بصحبة كل من الملا عمر وأتباعهما من "البشتون" إلى منطقة الجبال الوعرة في إقليم وزيرستان، حتى حولت أميركا مهمتها هناك، إلى إصلاح نظام الحكم الأفغاني، وإزالة المظالم والفظائع التي خلفتها وراءها حكومة "طالبان" المندحرة. كما عقدت واشنطن العزم على إحداث تحول ديمقراطي هناك. أما في حالة العراق، فقد كان المقصود من الغزو، هو تحقيق ما وعد به الرئيس بوش في بدايات عام 2004، أن يكون بمثابة الخطوة الأولى، لذلك الشرق الأوسط الكبير، الصديق لإسرائيل، وهي منطقة إقليمية تمتد من سواحل البحر الأبيض المتوسط، حتى حدود شبه القارة الهندية. وفي كلتا الحالتين، فإن تركة المغامرة العسكرية الإمبريالية الغربية، لا تتفق وما يجب أن يكون عليه الحال في البلدين اللذين طالتهما تلك المغامرة. ذلك أن الإمبراطوريات، إنما تترك شعوب الدول المغزوة، على ما كانت عليه، تحت أسوأ الفروض. وفيما لو كان القصد الأميركي من المغامرة العراقية، هو إقامة إمبراطورية شرق أوسطية واسعة، بحيث تتمكن من توحيد مساحاتها الاستراتيجية، ومواردها الطبيعية، فقد كان ممكناً لها أن تنهمك في استخراج نفط العراق، وفي بناء قواعد عسكرية قوية لحماية مصالحها فيه، إلى جانب تنصيبها طاغية جديداً قوي الشكيمة، بدلاً من الطاغية الذي أطاحت به. غير أن الغزاة من أبناء العم سام، طلبوا ما هو أكثر من ذلك وأشق، بسعيهم إلى تغيير قيم أفراد الشعوب وتقاليدها وعاداتها، وإلى مسخ قلوبهم، حتى يتسنى لهم إنقاذ أرواحهم، مما لحق بها من شر آثم مستطير! ومما لاشك فيه أن واشنطن وحليفتها لندن، قد أرادتا تحوير الواقع العراقي كله، وفق معاييرهما السياسية، ووصفتهما لما يسمى بالقيم الإنسانية العالمية. وبكلمة واحدة، فقد تمثلت أهداف الغزو العراقي في: تغيير القيم، وإقامة نظام الحكم الغربي، والترويج لنمط رأسمالية السوق، إلى غيرها من الأنماط القائمة على النزعة الفردية الغربية، التي لا أساس لها في الواقع القبلي العشائري للعراق. أما القيم والنماذج الثقافية التي سعى الاحتلال لترويجها، فهي قيم صادرة عن النزعة العلمانية وإطلاق الحريات الشخصية الباحثة عن المتعة والملذات، إلى جانب تسويق منتجات ثقافة السوق الأميركية. أما الدين، فلا مكان له من جملة إعراب التخطيط الأميركي لنظام الحكم في العراق. وكيف له أن يكون، والإسلام في نظر غلاة البروتستانت الإنجيليين القابضين على مفاصل إدارة بوش، ليس سوى هرطقة أو ما هو أسوأ؟ وكيف له أن يكون، ولا تتجاوز النظرة الأميركية العامة إلى الإسلام، على كونه مجرد حجر أحفوري، سرعان ما تلقي به بعيداً المجتمعات الشرق أوسطية المتحضرة الحديثة؟ لكن ومهما رأى هؤلاء الغلاة المتطرفون، فإن الإسلام هو الصخرة الراسخة، التي يقوم عليها الواقع العيني في هذه المنطقة. وبسبب الجهل الفكري الطاغي على متشددي وأيديولوجيي إدارة بوش، من "المحافظين الجدد"، فقد كان الهدف الرئيسي من غزو كل من العراق وأفغانستان، هو الوهم القائل بتحرير هذين المجتمعين من نير العشائرية والقبلية والتدين الرجعي و"البطريركية" الأبوية، التي أمسكت بتلابيبهما! ولكن هل أدركت واشنطن أن الحرب الدينية الثقافية التي شنتها، هي أسوأ أنواع الحرب؟ وأن الأسوأ منها، أنه لم يحدث للغزو الإمبريالي الأجنبي، أن فاز بها يوماً، على امتداد تاريخ البشرية الطويل؟!