النهار / رنده حيدر

توزعت ردود الفعل الاسرائيلية على مبادرة السلام العربية، التي أقرتها القمة العربية التي انعقدت في الرياض، بين تلك المرحبة مبدئياً بها "في انتظار ترجمة الكلام أفعالاً" مع التشديد على رفض اي "املاءات مسبقة على اسرائيل" كما جاء في كلام شمعون بيريس، وتلك المشككة او الرافضة كما جاء في مواقف بعض اقطاب اليمين الاسرائيلي من زعماء حزب الليكود، واللامبالاة التي يمكن تلمسها في صمت عدد من الاصوات في معسكري اليمين واليسار لدى الجمهور العريض من الاسرائيليين. من بين هؤلاء أراد رئيس الحكومة ايهود أولمرت أن ينفرد بموقف أكثر انفتاحاً حين تحدث في مقابلة اجرتها معه "هآرتس" نهاية الاسبوع الماضي عن أفكار مثيرة للإهتمام تضمنتها المبادرة السعودية، في اصرار منه على التمييز بين الصيغة السعودية للمبادرة والصيغة العربية التي أقرها المشاركون في القمة،مع الاعراب عن استعداد بلاده المشاركة في اي مؤتمر اقليمي يعقد بمشاركة دولية وعربية للبحث في اسس انهاء النزاع بين الفلسطينيين واسرائيل. ولكن رد الفعل الحقيقي الاسرائيلي يمكن البحث عنه ليس في كلام المسؤولين وانما في الصحافة الاسرائيلية التي تعاملت اجمالاً مع الحدث بصفته امراً تقليدياً لن يخرج بشيء جديد غير الكلام الذي عهدته اسرائيل من اجتماعات القمة العربية السابقة. ففي مطلق الاحوال ليست هذه القمة كما يجري تصويرها قمة "الفرصة الاخيرة للسلام"، ولا الحدث الذي يمثل تحولاً مهماً في مسار العملية السلمية المتوقفة منذ اعوام. من هنا جاء التعامل الاسرائيلي معها تعاملاً أقل من العادي رغم الادراك الكامل للظروف غير العادية او الاستثنائية التي تمر بها المنطقة. أكثر من سبب يقف وراء رد الفعل الاسرائيلي من المبادرة العربية الاخيرة؛ هناك اولاً الدور الجديد الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية في التوسط من اجل حل النزاع بين الفلسطينيين واسرائيل، والتحفظ الكبير عن المسعى السعودي الرامي الى شرعنة حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية برئاسة حركة "حماس" وخرق المقاطعة الدولية للحركة الذي بدأ يعطي ثماره لا سيما في اعقاب الدعم والتأييد العربيين اللذين خرجت بهما حكومة الوحدة الوطنية من المؤتمر. يضاف الى ذلك محاولات المملكة انشاء محور اقليمي للدول العربية المعتدلة يمكن ان يشكل اطاراً لمفاوضات مستقبلية بين اسرائيل والفلسطينيين وضامناً للإتفاقات التي قد يجري التوصل اليها. وهذا بحد ذاته من شأنه ان يفرض على اسرائيل عاجلاً ام آجلاً مسألة العودة الى المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين بمن فيهم "حماس" التي ما زالت ترفض الاعتراف باسرائيل، كما سيجعل من التذرع بعدم تنفيذ الفلسطينيين التعهدات المطلوبة منهم في "خريطة الطريق" امراً غير ذي دلالة. والتشكيك الاسرائيلي لا يقتصر على بنود المبادرة العربية للسلام التي يجمعون على انها بحاجة الى تعديل كي تصبح موضوعاً مقبولاً للتفاوض عليه من جانبهم، وانما يتناول ايضاً جوهر وقوف السعودية وراءها و"هي التي تطبق الشريعة الاسلامية و لا يمكن اعتبارها دولة ديموقراطية"، وهي في مطلق الاحوال "بعيدة عن وعي وادراك الجمهور الاسرائيلي". ففي رأي عدد من المعلقين الاسرائيليين السعودية بحاجة الى التوجه مباشرة الى الاسرائيليين ومخاطبتهم لإقناعهم بأهمية مبادرتهم. وفي رأي هؤلاء المعلقين ان من الامور الاساسية التي قد تشجع الاسرائيليين على تبني المبادرة العربية شعورهم ان بنودها غير"مقدسة" وانما هي تشكل اساساً للعودة الى المفاوضات، الى جانب وجود استعداد عند الاطراف العربية لمناقشة حلول تسوويّة تأخذ في الاعتبار ايضاً وجهة نظر بلادهم. والأهم من هذا كله يرى هؤلاء ان الاسرائيليين بحاجة الى ان يشعروا بجدية المسعى السعودي وان المسؤولين هناك سيقومون بمتابعة ما اتفق عليه في القمة "ولن يعودوا الى العيش وراء جدران قصورهم الفخمة". لكن أبعد من ردود الفعل الاسرائيلية على الدور السعودي الجديد وامكانات هذا الدور المستقبلية يبقى الأهم ان تثبت السعودية ان المباردة العربية للسلام ليست مبادرة أنظمة عربية او نخب عربية تحاول الدفاع عن نفسها في وجه صعود نفوذ ايران او التنظيمات الأصولية المتشددة، وانما هي مبادرة تمثل الآمال العربية في حل عادل ودائم للمشكلة الفلسطينية من شأنه انهاء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية وتشكل مدخلاً لحقبة جديدة من الاستقرار لشعوب المنطقة.