استبقت رئيسة مجلس النواب الأمريكية الديمقراطية نانسي بيلوسي زيارتها إلى سورية التي تصلها اليوم الثلاثاء بإقرارها أن " الطريق لحل بعض المشكلات يجب أن يمرَّ بدمشق "، في الوقت الذي جدد فيه البيت الأبيض اعتراضه على الزيارة معتبرا انها تبعث "رسالة سيئة" وتخدم سياسة الرئيس بشار الاسد.

ونوهت بيلوسي من بيروت أمس بأن هذه الزيارة " ليست مهمة بالنسبة إلينا فحسب، بل بالنسبة إلى فريق العمل من أجل العراق الذي يشجع مثل هذه الدبلوماسية ومثل هذا الإشراك"، معربة عن اعتقادها "ان بدء الحوار" مع سوريا "فكرة جيدة, ولهذا السبب نقوم به (..) ان الهدف من هذه الزيارة جزء من مسؤوليتنا حيال الامن القومي للولايات المتحدة".

وأوضحت بيلوسي في ختام زيارتها إلى بيروت أن محادثاتها في دمشق ستتناول " موضوع مكافحة الإرهاب برمته، والدور الذي يمكن لسورية أن تلعبه في المساعدة أو العرقلة لحل هذه الأمور، والمحكمة الدولية (في جريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري)"، مشددة على انه "من المهم جدا اقرارها لمعرفة الحقيقة والمضي قدما ". وكانت بيلوسي زارت إسرائيل الأحد، والأردن الاثنين كما ستزور السعودية الأربعاء.

وذكرت بيلوسي أنه "من المسائل التي سنحملها معنا تتعلق بدور سورية في العراق ودورها في مساندة حركة حماس وحزب الله، ودورها في العديد من الأمور التي نظن أننا قد نتمكن من تحقيق تقدم كبير فيها ".

واعتبرت أن " التطرق إلى هذه الحقائق مهم " قبل أن تعرب عن أملها " في أن نتمكن من إقامة الثقة بيننا" وقالت" ليست لدينا أوهام بل آمال كبيرة "

وتلتقي بيلوسي في دمشق كبار المسؤولين السوريين وعلى رأسهم الرئيس بشار الأسد لتصبح بذلك أعلى مسؤول أمريكي يلتقي القيادة السورية منذ اجتماع الرئيس الأسد مع وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول عام 2003.

وأفاد مصدر في السفارة الأميركية بدمشق ان بيلوسي "ستصل الثلاثاء الى دمشق وتغادر الاربعاء ومن المقرر ان تتباحث مع الرئيس الاسد في عدد من المسائل المرتبطة بالعلاقات السورية الاميركية والمسائل الاقليمية".

وكان مصدر رسمي اسرائيلي افاد الاحد ان بيلوسي ستنقل الى السلطات السورية موقف اسرائيل التي تشترط توقف دمشق عن "دعم الارهاب" لبدء محادثات معها تتناول عملية السلام في الشرق الأوسط.

ويرافق بيلوسي وفد كبير يضم سبعة نواب بينهم النائب الديمقراطي توم لانتوس رئيس لجنة العلاقات الدولية في الكونغرس والمعروف بموقفه الصارم تجاه الحكومة السورية وبتأييده البارز لاسرائيل، والنائب كيث ايليسون اول نائب اميركي مسلم، عدا عن واحد وعشرين مسؤولاً.

واعتبر لانتوس ان هدف الزيارة لسوريا هو اثبات ان "من مصلحتهم ان يعودوا الى موقع يسمح لهم ان يكونوا جزءا من القوى الايجابية في المنطقة بدل ان يكونوا في تحالف وثيق مع ايران".

لكنه اكد بدوره "ليست لدينا اية اوهام من زيارتنا لدمشق" مضيفا "اننا ذاهبون بنية واضحة هي جعل مواقفنا بغاية الوضوح للقيادة السورية".

ورحبت دمشق بالزيارة عبر مسؤوليها وصحفها، فيما واصل البيت الأبيض اعتراضه عليها وقالت المتحدثة المساعدة باسمه "نعتقد ان توجه مسؤولين رسميين رفيعي المستوى الى هناك لالتقاط صور تذكارية يستغلها الاسد بعد ذلك يبعث رسالة سيئة" للسوريين.

واضافت المتحدثة "نحن نسعى الى ثني كبار المسؤولين الاميركيين عن القيام بمثل هذه الزيارات" موضحة ان الرئيس السوري ينظر الى مثل هذه اللقاءات على انها "جلسات تصوير يسعى الى استخدامها لصالحه".

كما نفت المتحدثة أن يكون البيت الابيض غض الطرف عن زيارة برلمانيين اميركيين اخرين من حزب بوش الجمهوري لسوريا واكدت ان الادارة حاولت ثنيهم عن ذلك.

وكان ثلاثة من النواب الجمهوريين زاروا دمشق وبحثوا الأحد مع الرئيس بشار الاسد "الاوضاع في المنطقة لا سيما العراق". ومع فشل وزارة الخارجية في اقناع بيلوسي بالعدول عن هذه الزيارة، حثَّ المتحدث باسم الوزارة شون ماكورماك يبلوسي " على توجيه رسالة قوية للحكومة السورية وان تطلب منها تغيير موقفها في سلسلة مواضيع".

واوضح ان رئيسة مجلس النواب تحظى بدعم الاجهزة الدبلوماسية الاميركية كما تجري العادة وقال "نحن على استعداد لحضور لقاءات الوفد (مع السوريين) اذا رغب في ذلك".

وعبر المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية المحظورة عن اسفه لعزم بيلوسي زيارة دمشق لمصافحة ما اعتبره رئيس "واحد من اسوأ أنظمة القمع الشمولية".

وقال علي صدر الدين البيانوني في رسالة الى بيلوسي الاثنين "انه لمن المؤسف انك ستصافحين غدا يد رئيس فاشي، استمر على نهج والده في القمع، في واحد من اسوأ أنظمة القمع الشمولية الباقية في عالمنا اليوم".

واضاف "يؤسفنا حقيقة انك سوف تزورين رئيس نظام ما زال يمارس الاعتقال السياسي والتعذيب، وصاحب تاريخ في القتل الجماعي والمقابر الجماعية، ومسؤولا عن اختفاء آلاف من معارضيه، والنفي القسري لعشرات الآلاف منهم حول العالم". وتابع البيانوني في رسالته إلى بيلوسي "سوف تزورين رئيسا يشعل الازمات في الدول المجاورة، بتدخله في الشؤون الداخلية للبنان والعراق، ويرى الاغتيال السياسي أفضل طريقة للتعامل مع معارضيه، في سوريا وفي المنطقة بأسرها".

واعتبر وزير الإعلام محسن بلال أن الزيارة بمثابة "انهيار للقطيعة بين دمشق وواشنطن "، ووصفت السفارة السورية في واشنطن الزيارة "بالأساسية" وعبرت في بيان لها عن "الامل في ان تسهم في التخفيف من التشجنات " بين البلدين. وأشار عماد مصطفى السفير السوري في واشنطن إلى وجود تحول في موقف الكونغرس الأمريكي إزاء مسألة الحوار مع سورية لكنه أضاف إن "سورية تنظر بحذر إلى الانفتاح الأمريكي المفاجئ للحوار معها".

ورأى السفير مصطفى في تصريحات له أن زيارة بيلوسي إلى دمشق هي " محاولة لتحدي الإدارة الأمريكية ودفعها للإسراع في الحوار مع سورية"، مؤكداً أن سورية " لن تقدم تنازلات رفضت أن تقدمها تحت أقسى أنواع الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة عليها وعلى أطراف أوروبية، لتمتنع عن الحوار مع دمشق".

وزاد إن "سورية ستتقدم خطوة كلما تقدم الأمريكيون خطوة إلى الأمام نحو تحسين العلاقات مع سورية".

ويرى المراقبون أن زيارة بيلوسي "تعكس صراعا داخل الادارة الاميركية بين طرفين أولهما الديمقراطيين والجمهوريين التقليديين المؤيدين لجورج بوش الأب وعلى رأسهم جيمس بيكر الداعين الى حوار مع سورية، وثانيهما فئة المؤيدين لبوش الإبن التي تقول إن التعاون مع سورية غير مجدٍ ويجب الاستمرار في سياسة عزلها دولياً ".

وقالت صحيفة تشرين الرسمية في مقال افتتاحي لها أمس " إن السيدة بيلوسي تأتي إلى دمشق وفي حقيبتها مجموعة كبيرة من المعطيات المجمعة من وفود سابقة عن حقيقة الدور السوري البنّاء في معالجة قضايا المنطقة.‏

وشددت الصحيفة على انفتاح سورية " على الحوار مع الأميركيين في الإدارة والكونغرس "، وأشارت إلى أنه " بالحوار والنقاش يمكن إزالة الكثير من سوء الفهم" قبل أن تجدد سياسة سورية القائمة على "احترام القوانين والقرارات والمواثيق الدولية، وعلى العمل من أجل إحلال السلام العادل والأمن والاستقرار في المنطقة ". ‏

وذكَّرت (تشرين) بأن " سورية أكدت للأمريكيين أنها معنية بالعمل مع دول الجوار لمساعدة العراق على تجاوز مآسيه، وأكدت أنها معنية بإعادة إطلاق العملية السلمية، وبلوغ السلام والأمن والاستقرار في المنطقة ".

وتأتي زيارة بيلوسي بعد توتر واضح شهدته العلاقة السورية الأمريكية وانقطاع في الاتصالات بين البلدين، تبعه قيام عدد من المسؤولين الأمريكيين بعدة زيارات إلى دمشق. وعدا عن لقاء النواب الجمهوريين الأحد بالرئيس الأسد، زارت مجموعة صغيرة من الاعضاء الجمهوريين والديمقراطيين بالكونغرس دمشق واجتمعت مع الرئيس الأسد في كانون الاول الماضي بعد ان اوصت لجنة دراسة العراق بتكثيف الجهود الدبلوماسية لتشمل سوريا وايران للمساعدة في تهدئة العنف في العراق.

وقاومت ادارة بوش تلك التوصية ونددت بزيارات اعضاء الكونغرس.

وشارك مسؤولون امريكيون وسوريون في اجتماع اقليمي موسع في العراق الشهر الماضي بهدف تحقيق الاستقرار في هذا البلد الذي يكاد يمزقه العنف الطائفي.

كما عقدت ايلين سوربري مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية في وقت سابق من هذا الشهر محادثات مع نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد حول كيفية تعامل دمشق مع تدفق اللاجئين العراقيين في اول محادثات من نوعها في العاصمة السورية منذ اكثر من عامين.

ويرى المراقبون أن الاتصالات السورية الأمريكية هذه مؤشر هام على بدء استئناف الحوار بين البلدين وبشكل رسمي. وتقيم الولايات المتحدة علاقات دبلوماسية مع سورية، لكن في حدها الادنى منذ استدعاء السفير في دمشق في 2005 بعد يوم على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري، حيث حمَّلت واشنطن المسؤولية لدمشق التي رفضت ذلك بشكل قاطع.

مصادر
سورية الغد (دمشق)