الاتحاد / حازم صاغية

لا يزال تقييم "القاعدة"، ومدى نجاحها أو فشلها، موضوعاً راهناً وحارّاً في المتابعات الغربيّة. أكتفي، هنا، بعرض وجهتي نظر لا تخلوان من تماسك، تدافع إحداهما عن أن حركة بن لادن أسيرة تناقضاتها المحليّة، فيما تذهب الأخرى إلى أن القوّة الأساسيّة التي تحظى بها حصيلة الغباء الذي لا تكفّ عن إبدائه، إدارة بوش. وجهتا النظر يحملهما "كانيش ثارور" و"بول روجرز"، وهما كاتبان معروفان بمتابعة المسائل الاستراتيجيّة وما يتّصل بها من قضايا الأمن والإرهاب ومكافحته. لكنهما، وهما يختلفان في ما يعبّران عنه، يتّفقان عند نقطة واحدة: ما يسمّيه "ثارور" افتقار "الحرب على الإرهاب" إلى فهم الدبلوماسيّة، وما يعتبره "روجرز" عمى في نظرة واشنطن. فـ"ثارور" يرى أن الأحداث الأخيرة في "المثلّث السني" بالعراق، وعلى مدى الحدود الباكستانيّة- الأفغانيّة، توحي بتقديرات بأن "القاعدة" بدأت تخسر قلوب السكّان المحليّين وعقولهم. صحيح أن الانقسامات طائفيّة في العراق، غير أن هذا لا يحول دون تذرّر الطرف الواحد في داخله. فما وُصف بـ"التمرّد السُّني" خليط متنوّع من قوى وميليشيات متنافسة. وبمعزل عن مدى حضورهم في أشرطة الفيديو ودعايات الإنترنت الإسلاميّة، فالمقاتلون الأجانب المرتبطون بـ"القاعدة" لا يشكّلون إلاّ جزءاً من لوحة التمرّد العريضة. وقد شرعت تتوضّح التباينات داخل هذه الخريطة مطالع مارس: ففي محافظة الأنبار، التي تُعدّ قلب الانتفاضة السُّنيّة، تزايد القتال في الأسابيع الماضية بين الأجانب المحسوبين على "القاعدة" والجماعات العشائريّة المحليّة. وفي 1 مارس تحديداً، كان على المتمرّدين الإسلاميين غرب الفلّوجة أن يصدّوا هجمات "الحزب الإسلاميّ" و"ثورة العشرين"، وهما جماعتان سُنيّتان محليّتان سبقتا "القاعدة" إلى مناهضة القوّات الأميركيّة. فمقاتلو الجماعتين تدخّلوا دفاعاً عن السكّان المحليّين ضدّ "القاعدة"، لكن ما عطّل جهودهم كان عمليّات الشرطة والجيش العراقيّين، فضلاً عن الضربات الجويّة الأميركيّة. وفي بغداد كذلك، يشعر بعض المتمرّدين السُّنّة بانزعاج متعاظم حيال شراكتهم مع "القاعدة"، كما تصدر عنهم إشارات تدلّ إلى الرغبة في التحدّث إلى القوّات الأميركيّة والحكوميّة. ثم، في 20 مارس الماضي، اندلعت اشتباكات في المنطقة نفسها غرب الفلّوجة بين "القاعديّين" وميليشيات محليّة مدعومة من الجيش العراقيّ. والأخيرة أنباريّة، تشارك فيها 25 عشيرة تقيم هناك وتؤيّد رغبة الحكومة في طرد "القاعدة". والواقع أن صدور الكثيرين من هؤلاء المقاتلين عن مجموعات بدأت مناهضةً للأميركيّين أمر ينبغي أن يفكّر فيه صنّاع القرار في واشنطن وبغداد. كذلك، تشهد الحدود الأفغانيّة- الباكستانيّة عمليّة مشابهة، ذاك أن الشمال الغربيّ لباكستان، وهو غالباً ما اعتُبر منطقة خارجة على القانون، وقّع زعماؤه القبليّون "البشتون"، منذ سبتمبر 2006، "معاهدة وزيرستان" مع إسلام أباد، والتي تمنح حكماً ذاتيّاً أكبر لبعض أجزاء تلك المنطقة. وكان بعض كبار رسميّي الإدارة الأميركيّة انتقدوا حكومة برويز مشرّف على توقيعها المعاهدة خوفاً من أن يستفيد "القاعديّون" من الظروف التي تخلقها هناك. بيد أن ما يسمّيه هؤلاء "استسلام" باكستان للإرهاب، ربما كان استراتيجيّة ذكيّة في مكافحته. فكثيرون من "البشتون" هناك لم يعودوا يخفون برمهم بالربط الدائم بينهم وبين "طالبان" و"القاعدة". ولهذا انفجر القتال في 6 مارس الماضي بين "البشتون" المحليّين ومقاتلي "القاعدة" وأغلبهم من الأوزبك، مخلّفاً 17 قتيلاً. ذاك أن العديد من الأوزبك والشيشان وناشطين إسلاميّين آخرين، كانوا لجأوا إلى شمال باكستان الغربيّ بُعيد إسقاط حكم "طالبان". ومع أن "البشتون" هم الذين سهّلوا فرارهم في البداية، فقد ظهرت أصوات "بشتونيّة" تراهن على علاقات وثيقة مع إسلام أباد وواشنطن تقيها غوائل القصف والاغتيالات. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن "الأوزبك" والمقاتلين الأجانب الآخرين قد لا تطول إقامتهم هناك. ذاك أن يومين فحسب من القتال الذي اندلع يوم 19 مارس الماضي، خلّف 42 قتيلاً أوزبكيّاً واعتقال العشائر "البشتون" لـ27 منهم. كذلك أقامت الميليشيات البشتونية" حواجز على الطرق لإلقاء القبض على المقاتلين "الأوزبك" الذين يحاولون الفرار. وهذا ما يهدّد بانقسام آخر داخل "البشتون" بين المتضامنين مع "القاعدة" ومخاصميها. غير أن الجيش الباكستانيّ بقي بعيداً مما يجري، أو كما أعلن أحد الرسميّين: "دعوا مناطق القبائل تتعامل مع المشكلة، فكلّ محاولة حكوميّة للتدخّل دعماً لها ستؤدّي إلى إضعافها". هكذا لم يتدخّل الجيش حتى 22 مارس الماضي، على عكس ما فعلت القوّات الأميركيّة والعراقيّة في الأنبار. وقصارى القول إن شبكة كونيّة الامتداد كـ"القاعدة" واجهت دائماً، وتواجه الآن، مشكلة كونها "غريبة"، يصحّ هذا حتى في المناطق التي تعتقد أنها معاقل لها. فكيف وأن قوّتها مرهونة تعريفاً بتعاطف السكّان المحليّين؟ وقد لا يكون واضحاً تماماً، حتى الآن، مدى الفعاليّة العسكريّة لهذه الصدامات في البلدين. كما قد يُقال إن تلك الحركات المناوئة لـ"القاعدة" يمكن أن تفقد زخمها بسرعة. لكن ما تشير إليه تلك الظاهرات يبقى مهمّاً، وبعض أهميّته أنه ينبّه خائضي "الحرب على الإرهاب" إلى أهميّة الدبلوماسيّة. في المقابل، يبدأ "بول روجرز" من بلوغ بن لادن سنّ الخمسين، والذي كان مناسبة لتكهّنات الإعلام حول قابليّة "القاعدة" للحياة. وكانت لواشنطن مداخلتها في هذا حيث عمّمت اعترافات خالد شيخ محمد، أسير جوانتانامو وأحد قادة التنظيم. وهي اعترافات تضمّنت مشاركته في 30 عمليّة لـ"القاعدة" تمّت على مدى عقد، ابتداء بتفجير فبراير 1993 لمركز التجارة العالميّ. وتولّت الدعاية والإعلام الأميركيّان التوكيد على أهميّة "هذا الرجل". وبهذا أوحي أن واشنطن أحرزت نجاحات مهمّة، الشيء الذي لم ينطل على صحافيّين شكّاكين آخرين. ولا بأس بأن نلاحظ أن "خالد شيخ محمد" سجين منذ أربع سنوات، من دون أن يفضي ذلك إلى تراجع في عمليّات "القاعدة". وحتى لو وضعنا العراق وأفغانستان جانباً، يبقى أننا نتعامل مع حركة شديدة التوزّع والانتشار كانت وراء عديد الضربات في العالم. فمنذ اعتقال "شيخ محمد" في فبراير 2003، نُفّذت عمليّات في الدار البيضاء وجاكرتا والرياض واسطنبول وسيناء ومدريد ولندن والعقبة وبالي وكراتشي ودمشق وأمكنة أخرى. صحيح أن تطور أعمال "القاعدة" يجد ما يخدمه في قدرتها على التحرّك في غرب باكستان من دون تدخّل يُذكر، لكن هذا لا يعدو كونه واحداً من أسباب حضورها الدائم والنشط. وفيما تطبّق القوّات الأميركيّة خطّتها الجديدة في العراق، هناك ما يشير إلى أن "القاعدة في بلاد الرافدين" أصبحت ذات ثقل ملحوظ في الانتفاضة العراقيّة، لاسيّما في الأنبار. وما يشدّ الانتباه ذاك التغيّر الداخليّ الذي شهدته، والذي جعلها قادرةً على تطويع عراقيّين في عضويّتها، فضلاً عن الاحتفاظ بالقدرة على استقبال وتفعيل المنضمّين من بلدان أخرى. في الوقت نفسه يبقى العراق، الجاذب للجهاديّين، حقلاً أساسيّاً للتدريب على القتال لدى كلّ الراديكاليّين الإسلاميين من سائر أنحاء المنطقة. وقد يكون أحد، إن لم يكن أهمّ، الإنجازات غير المقصود لإدارة بوش إيجاد هذا المناخ: فحسب تقرير "تيّارات في الإرهاب الكونيّ" الصادر في أبريل 2006، أصبح النزاع في العراق "الفرصة الثمينة للجهاديّين، مطلقاً الاستياء العميق حيال تدخّل الولايات المتّحدة في العالم الإسلاميّ، ومستقطباً المناصرين للحركة الجهاديّة العالميّة". في كل هذا هناك سمة من سمات الحرب الأميركيّة على الإرهاب يصعب فهمها: لماذا يبدي سياسيّون كبار ومستشارون لهم بارزون، على جانبي الأطلسيّ، عجزاً، أو رفضاً، للإقرار بأن الطريقة التي أديرت بها الحرب سيّئة وسلبيّة الأثر على مصالحهم الأمنيّة نفسها؟ حتى بعض المعلّقين المستقلّين تربكهم مواجهة الظاهرة التي تفيد بأن تلك الحرب فاقمت تجذير الجماعات الإسلاميّة في غرب أوروبا، دع جانباً الشرق الأوسط وآسيا الجنوبيّة وكلّ مكان آخر. والتفسير إنما يكمن في أربعة عوامل: ضخامة عدد القتلى والنازحين، لاسيما في العراق، واتّساع عمليّات التوقيف، في العراق وأفغانستان، من دون محاكمة، والطفرة الإعلاميّة التي تتيح للمسلمين الراديكاليّين إيصال صوتهم، وأخيراً واقع الاحتلال الذي يراه كثيرون من المسلمين "صليبيّاً"، يخدم إسرائيل وينوي سرقة النفط. أما في نظر "القاعدة" فيكتسب أحد الشعارات أهميّة بارزة، وهو سيطرة المسلمين على مقدّساتهم الدينيّة وبقاء المحتلّين خارج المدن والمناطق التي تحتضن هذه المقدّسات. وهذا، بطبيعة الحال، شعار تعبويّ جذاب. حقّاً يستطيع، في مرّات كثيرة، تحليلان متناقضان أن يكونا متماسكين، بحيث يكاد كلّ منهما أن يقنعنا بـ"صحّته".