عام 66 صدرت رواية ( تلك الرائحة) للروائي المصري صنع الله إبراهيم،أي قبل هزيمة 5 حزيران بعام واحد، فأثارت ضجّة تجاوبت أصداؤها في الأوساط الثقافيّة العربيّة مشرقاً ومغرباً...

رواية بحجم الكّف، في صفحات قليلة، تحكي عن (خارج) من السجن_ شيوعي_مغرّب في مجتمع مرتبك،في أوضاع قلقة،في مدينة تتفجّر في بعض أحيائها المجاري فتملأ جو المدينة ب(تلك الرائحة)، رائحة الأوساخ والغائط والفضلات... تلك الرواية كانت نبوءة بما هو آت، بالهزيمة ،فالمرض يفترس الحياة من الداخل،وما طفا على السطح هي أعراض الخراب والفساد والانهيار ...

تلك الرواية كانت نقداً ،ونذيراً،وصرخة احتجاج،

وما حذّرت منه وقع ...

بمبضع الجرّاح كتب صنع الله إبراهيبم روايته تلك ،والتي منها انطلقت شهرته، ورحلته الروائيّة ، وصوته الشديد الخصوصيّة...

في فلسطين، تحديداً في مناطق السلطة (الرائحة) تفوح منذ بدأت مسيرة الوهم، والتدليس،والكذب على النفس، والنهب،والتنازلات،واختراق المجتمع الفلسطيني بالمنظمات غير الحكوميّة و(الأنجزة)،وسطوة أجهزة ومؤسسات فاشلة ينخرها ويستشري فيها الفساد.

الرائحة فاضت حتى بلغت آذان الفلسطينيين في الشتات والمنافي، وأقصى بلاد العرب، وصحافة العالم،بحيث باتت مضرب المثل في حرق مراحل الفساد،محرزة قصب السبق على الأنظمة الشقيقة و..الصديقة!.

في رواية صنع الله إبراهيم ما هو خاف ظهر، انفجر،طفح،فغرقت الطرق،و..المستخبّي بان!

الفاسدون لا يعترفون بالمستخبي،لأنه فضيحتهم،رائحتهم،تحللهم،فساد أخلاقهم،ولهذا اتهموا صنع الله بالتشكيك، ومنعوا روايته تلك ..إلى أن دهمتنا الهزيمة، وبدأت مرحلة إعادة النظر والبناء، واستقصاء الأسباب، لا في مصر وحدها ، ولكن على المستوى العربي ،وهنا برز دور المبدعين العرب الشرفاء.

النظام الثوري التقدمي الناصري أنهكه الوصوليون واللصوص،والكذّابون،والمتسلّقون،ومن داخله...

كان عبد الناصر يبني المصانع، يخوض المعارك،وحوله أشخاص هم ضد مشروعه ، يعني : دود الخّل منه وفيه ..كما يقول المثل الشعبي.

دور الكتابة أن تفضح الدود،أن تكشف السوس،أن تصرخ، تشتبك، تصدم، ترّج الركود...

هذا ما فعلته تلك الرواية الشجاعة.

في قطاع غزّة، انفجرت برك الماء الآسن، ماء ( ال..راء) فاجتاحت قرية فلسطينيّة ، اكتسحت البيوت الفقيرة الحال، وجرفت النساء والرجال ، والشيوخ والأطفال ..فمات تسعة غرقاً في مياه الصرف الصحّي، بالأصّح الصرف غير الصحّي، أي بالمياه الموبوءة المحشورة في برك،الراكدة التي تنبعث منها الرائحة ، وتجتذب الحشرات والميكروبات وتنشر الأوبئة ، وتجعل الحياة لا تطاق.

كأنما لا تكفي الفلسطينيين معاناتهم اليوميّة مع الاحتلال.

كأنما لا يكفيهم الحصار والجوع والأمراض،ومهانة معبر رفح،ومصادرة الأراضي، والاغتيالات، والاقتحامات.. كأنما لا يكفيهم الاقتتال الداخلي المستمر حتى اللحظة، رغم اتفاق مكّة...

كأنما لا يكفيهم ما يلحقه بهم من سوء سمعة اختطاف الصحفيين الأجانب، و.. ترويع الصحفيين الفلسطينيين ! كأنما لا يكفيهم كل هذا ..حتى تجتاحهم بعد كل أعوام المعاناة ..مياه الخر...!.

أما كانت أجهزة السلطة ،ووزاراتها، ترى برك المياه الملوثّة ، وخطرها المقيم والداهم والقادم؟!

أين الصحافة، والتلفزيون، والإذاعة،

أين الكتّاب ، والشعراء، ومنظرو السلطة؟!

أين أعضاء المجلس التشريعي، والمنظمات الشعبيّة، وأين الفصائل الكثيرة العدد القليلة البركة ؟!

أين مرتزقة ولصوص الدعم من الجهات غير الحكوميّة، والأنجزة..المشغولون بتقديم التقارير عن عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني ، وطقوس الزواج والختان، والتديّن و..!

كل هؤلاء لا يشمّون تلك الرائحة التي تفسد هواء يتنفسه فلسطينيون ارتبطوا بأرضهم فزرعوها تحت هدير الطائرات وقصف المدافع ،فأنوفهم تشّم عن بعد _ مثل الاستشعار عن بعد_ رائحة الجهات الداعمة التي تجتذبهم، ومنها يسترزقون! صباح الثلاثاء 27 آذار لم يكن يوماً عادياً على سكّان القرية البدوية(أم النصر) الواقعة شمال غزّة ، والتي يقطنها خمسة آلاف مواطن...

دهمتهم المياه الملوثّة التي اندفعت من التجمّع رقم سبعة،وكأنها ( تسونامي) ، سبحوا في مياه البراز والبول والأوساخ .مات أطفال وعجائز، وصارع المئات المياه الثقيلة الكريهة المندفعة ...

رأيت بعض أهلنا المنكوبين على الفضائيات ، بعد خروجهم ملوثين مرتجفين مذهولين ! تلك القرية المنكوبة اسمها (أم النصر) ..يا للغرابة !

أهذه هي الحياة الموعودة بعد (أوسلو)و..سلام الشجعان؟!

أهذا هو الانتصار الموعود؟!

حصار ونهب وموت يمارسه الاحتلال بلا توقّف...

و..فساد وقتل يومي من الفاسدين المتسلطين المتسلطنين!

تلك الرائحة في القاهرة طلعت من السّر إلى العلن ..وفي الرائحة الفلسطينيّة كل شئ معلن ... اجتياح المياه الخر...للفلسطينيين ،وقتلها بعضهم ، وتدميرها بيوت بعضهم،وتخريبها لأراضيهم الزراعيّة... ما حدث في ( أم النصر) هو أم انتصارات السلطة المزمنة بكّل تجلياتها.هو المشهد قبل الأخير للغرق التّام الذي سيكلّل مسيرة ..تلك الرائحة!

باعوها!

لما قرأت عنوان مقالة صديقي عبد الفتاح القلقيلي ( أبونائل) في صحيفة ( الحياة الجديدة) الصادرة في رام الله ،عدد يوم 2 نيسان الجاري، ظننت أنه يعود للكتابة عن أبله ( أريحا) الذي كنت كتبت عن طرائفه في هذه الزاوية قبل سنوات،أو عن أبله شبيه له _ وكل قرية لها أبلهها ،أو درويشها_ في بلدته قلقيلية..

ولكنه بخفّة دمه ، وسخريته ، وبراعته في الحكي أخذني إلى حكاية لا صلة لها بالهبل والبلهاء .. ما التي باعوها إذن؟ ستقولون فلسطين! ..

لا، هو يقصد طائرة القائد (الرمز) أبوعمّار ...

أحد أصدقائه يتصل به ناقلاً له الخبر بصوت مرتجف النبرات ،من هو ل ما حدث ..لقد باعوا طائرة (أبوعمّار) ! القائد الذي كان مصدر رزقهم وعزّهم أيام كانوا يلتصقون به ليل نهار ،فلا يفارقونه إلا بعد ذهابه للنوم بعد الفجر، فكّل واحد يريد أن يبقى حتى اللحظة الأخيرة قربه،ليسرّب له في آخر الليل أوراقه ليأخذ توقيعه عليها،ويا لها من قصاصات أوراق تدّر ألوف الدولارات على ( المرابطين ) المنتفعين!...

صديق أبو نائل وهو طيّار فلسطيني عتيق يخبره بذهول : باعوا طائرة الرئيس ( الجت ستار) بثلاثمائة وخمسين ألف دولار فقط! ..الله اكبر ..طيّارة رمز الثورة !( طبعاً باعوها بسعر أعلى بكثير ..من هم؟!).

يختم أبونائل مقالته ردّاً على زميل له يستغرب : _وهل ستنهار السلطة بسبب بيع الطائرة؟

يرّد عليه أبونائل :

لا، لن تنهار السلطة لبيعها،ولكن بيعها مؤشّر على الانهيار ...

تسونامي (أم النصر) ، وبيع طائرة الرمز من الرمزيين الذين سارعوا لطّي صفحته قبل دفنه، وتناهبوا كّل ما ترك ..أبطال (نصر أوسلو) ..أم هيك نصر! ..أتحتاج هذه الروائح إلى فضح .. بعد فضيحة قرية أم النصر..هي المكشوفة المفضوحة كمؤخرة العّنزة ؟!


* القدس العربي: الأربعاء ،5 نيسان 2007