النهار / سمير عطاالله

قابلت عبدالعزيز بوتفليقة، المرة الاولى في الامم المتحدة خريف 1973. كان يومها وزير خارجية الجزائر التي مضى عقد على استقلالها الاسطوري وتلك الصور التي تركتها في الذاكرة العربية. فقد اصبح اسمها عنوانا للحرية الوطنية ذلك العقد، وكان رجالها مثل رموز معلقة في الصدور او على الجدران. فـ"الثورة" هنا، لم تكن انقلابا عسكريا مسافته بين ثكنة واخرى، بل هي مد روحي عبر افريقيا من شمالها الابيض قبل جنوبها الاسمر. وقد واجهت فرنسا الامبراطورية مجموعة من الطوباويين، ساعي بريد، ورقيب اول يدعى احمد بن بلا، وبسطاء. وهؤلاء اجتذبوا حالمين بالتحرر كمثل فرانز فانون، وشقوا فرنسا على نفسها، وكادوا يرسلونها الى الحرب الاهلية، محدثين نزاعا بين ضميرين، استعماري وحر. كنت في باريس ذلك المساء الماطر من 1961، اهيم على ارصفتها العريضة خلف عبق الشعر والحلم ومقتضى العشرين عاما. لكن باريس كانت مكتظة بالجنود والمدرعات، وممتلئة بالخوف، ومنزوية في المنازل، تتوقع هبوط المظليين القادمين من الجزائر في اي لحظة. وكعادته الجميلة في انقاذ فرنسا من الفرنسيين، جلس شارل ماري ديغول خلف المذياع للمرة الثانية بعد بيان لندن، وقال للفرنسيين ان الجزائر جزائرية، وان عليهم ان يقاتلوا الجنرالات المتمردين اذا حاولوا النزول في باريس دفاعا عن الجزائر الفرنسية. واستقلت الجزائر. ومع حلول 1973 كان قد مرّ على العالم عقد من الاستقلال والحريات. واحيا استقلال الجزائر القضية الفلسطينية من جديد. وعندما جاء عبد العزيز بوتفليقة الى الامم المتحدة، كان شابا يرسل شعره على كتفيه، وكان مزهوا بنفسه وببلده وبحال العالم من حوله. فالثورة الجزائرية لم تنته في وهران وعنّابة وقسنطينة وباب الواد، بل ها هي تتحول نموذجاً في القارات الخارجة من العبودية. وكان عبد العزيز بوتفليقة قد اصبح، وهو في السادسة عشرة، اصغر المقاتلين الى جانب هواري بومدين. فلما قامت الدولة المستقلة وعيّن وزيرا للخارجية، اصبح اصغر الديبلوماسيين سنا في العالم. لذلك كان يرسل شعره على كتفيه، مزهوا ببلده وبالشباب، وما انجز في سن مبكرة. هل يذكّره ذلك بما حققه العدو القديم، الملازم بونابرت، مثلا؟ سوف يضحك عبد العزيز بوتفليقة عندما يصبح رئيسا للجزائر ويقول: "الا انني اطول من نابوليون بثلاثة سنتيمترات". صفّت الثورة الجزائرية، مثل كثير – او جميع – الثورات عددا كبيرا من رجالها التاريخيين، وابعدت او نفت او ألغت الكثيرين ايضا. احمد بن بلا وُضع في الاقامة الجبرية، وتزوج وهو في السجن. والصيدلي يوسف بن خدة، ابتعد عن اول الصف الاول، الى ظلال الصيدلة. وامين المال محمد خيضر قتل في احد شوارع مدريد، ومحمد بو ضياف ذهب الى المغرب ليعمل في مصانع الأجر، ولما عاد رئيسا قتل برصاصة من الخلف. رصاص الحرس او الرفاق. وابتعد بوتفليقة فيما كان العسكر والمدنيون والاسلاميون ورفاق "جبهة التحرير" يتطاحنون. وجاء صامتا الى ابو ظبي يطلب هدوء النفس. والى ابو ظبي كان يجيء، في صمت ايضا، السياسيون الطالعون من بلدانهم ولا يريدون الذهاب الى اوروبا. وكان زايد بن سلطان يقدم اليهم مفتاح المدينة، على اختلاف مدن الاقلاع: رئيس الوزراء الليبي عبد الحميد البكوش. ووزير خارجية العراق شبه الملكي عدنان الباجه جي. ثم وزير خارجية (واعلام) صدام حسين محمد الصحاف. ووزير خارجية تونس محمد المصمودي. وعدد آخر. وقد عاد الدكتور الباجه جي الى العراق قبل ثلاث سنوات وهو مليء بالتفاؤل، لكنه عاد الآن الى ابو ظبي، والخيبة تملأ الأمة. الوحيد الذي عاد من ابو ظبي الى السلطة، بل الى الرئاسة، كان عبد العزيز بوتفليقة. ولغرض الاختصار والتحبّب سي عبد العزيز. وكان الرئيس بوتفليقة في الرياض لحضور القمة العربية. وما دام في المنطقة فلا يمكن الا ان يمر في ابو ظبي البلد الذي استقبله مناضلا تاريخيا وودعه رئيسا تاريخيا. وعندما سألني صديقه الشيخ نهيان بن مبارك: ما رأيك في زيارة الرئيس بوتفليقة هذا العصر؟ قلت له: شرف اللقاء ومتعة المؤانسة. لا يزال الرئيس بوتفليقة اطول من نابوليون بونابرت بثلاثة سنتيمترات. لكن الشعر القليل المتبقي يرسل الى الامام الآن وليس على الكتفين. وقد أبل الرجل اخيرا من ازمة صحية مضنية، خضع خلالها للعلاج في باريس التي حاربها شابا، وصالحها منتصرا، وعقد معها رئيسا احد اهم المعاهدات بين الدول. ولولا ان الجزائر في الجزء الافريقي من المتوسط، لأمكن تشبيه اتفاق بوتفليقة – شيراك باتفاق ديغول – اديناور الذي انهى عقودا من العداء والحروب بين اثينا اوروبا واسبارطة: باريس وبرلين. يشبه عبد العزيز بوتفليقة خصما آخر من خصوم الجزائر: ملك المغرب الراحل، الحسن الثاني. ليس في قامته ولا في بشرته ولا في شعره. فأمير المؤمنين كان حاد السمرة، كث الشعر واطول من نابوليون بعشرين سنتيمترا. على الاقل. وفرقت بين الرجلين قضايا وامور كثيرة. ولكن يجمع بينهما، على نحو غريب، افتتان باللغة العربية والفرنسية ايضا. وللاثنين في الاثنتين بلاغة، ومتن ورقّ البيان. يقول الرئيس بوتفليقة ان الجزائر لا تزال تجهد في العودة الى لغتها الام. وعندما يخاطب الجزائريين بالفصحى (لا يتكلم العامية) يجد في عيونهم فرحا: "واحيانا يتصل بي صديق ويقول، آه يا عبد العزيز كم افرحني ما قلت. صحيح انني لم افهم شيئا، لكن لدي شعور بانك تتقن العربية تماما"! أسأله عن لبنان في القمة، فيقول: "لا حل لكم الا بالحوار". في النهاية لا حتمية الا للحوار. ولكن اين نحن الآن؟ اروي للرئيس الجزائري مشهد باريس 1961. بلد على حافة الحرب الاهلية، كل فريق يريد ان يأخذه صوب قناعته، ولو كانت الحرب الثمن. وباريس يحتلها اهلها وتخاف من نفسها. وقلق كبير. قلق كبير. وأسأل الزعيم الجزائري: أليست هذه صورة بيروت اليوم؟ صراع في النظرة الى الأمة والوطن؟ واذكّره بما قال للسيدة علياء الصلح يوم زار بيروت ولاحظ ان صور الزعيم الراحل جمال عبد الناصر تفوق عدد جميع السياسيين الاحياء، اذ قال: هل اللبنانيون في حاجة الى زعيم غائب؟ ويصحح سي عبد العزيز: "بل قلت يومها ان ثمة هوة كبيرة بين الولاء الوطني والولاء القومي. وهذا خلل كبير وشطط اكبر".