إذا أتيحت لك الفرصة عزيزي القارىء أن تزور دمشق، وترنو إلى مشهدها من عل، أي من قاسيون على سبيل المثال، فستقع من دون شك على مشهد، أقل ما يقال فيه أنه سريالي بامتياز، ناهيك عن حجم المفارقة المتأتية عنه. إذ كيف يعقل أن يعيش شعب معزول ومقموع وموصوف علناً «بالواحدية والقصور والتخلّف» وسط غابة من الصحون اللاقطة!! أليس في هذه الصورة ما يشي بتناقض مذهل يتجاوز حدود التسويق الإعلامي المبتذل لصورة مشوّهة عن دمشق، ليصل ربما إلى ما يشبه «الفجور» السياسي في التعاطي مع هذه المدينة العريقة وأهلها، فضلاً عن الركون المتعمّد إلى تلفيق مصطلحات وتوصيفات، لا تفعل شيئاً سوى المزيد من تجهيل الرأي العام، وحقنه بجرعات متصلة ومتزايدة ومتفاقمة من الدجل الإعلامي والاستهتار الأخلاقي والرثاثة المهنية.

والأمر الأكيد هنا أن السوريين باتوا في حال يرثى لها من جرّاء هذا الرصد الإعلامي المخاتل لحيواتهم، ذلك أن الإعلام العربي والعالمي في تعاطيه مع الداخل السوري لم يعد يكتفي «بالرصد» و«التوثيق» و«توصيف الواقع» فحسب، بل درج أخيراً على عادة يمكن وسمها بالسيئة إذا شئنا إطلاق نعت أخلاقي عليها، وتتمثل هذه العادة في إعادة إنتاج حيوات السوريين على نحو مقلوب وأقرب إلى العطب منه إلى أي شيء آخر، بحيث لا يعود المرء متيقّناً إن كان يعيش حقاً في سوريا أم في كوريا الشمالية!! حيث اقتناء الراديو هناك يحتاج إلى ترخيص من أجهزة الأمن!! يجدر بنا التذكير هنا أن أنجح وأنجع وسيلة للدفع بسوريا إلى مصير يشابه مصير كوريا الشمالية ولو من بعيد هي المضي قدماً في عزلها والتضييق عليها، سياسياً واقتصادياً وإعلامياً.

هذه الملحوظة نضعها طبعاً برسم أشقائنا العرب قبل غيرهم، لأن بينهم على ما يبدو من يتمنى لسوريا مـــــــــساراً ومصيراً كذاك، وبـــــــــئس المصير طبعاً. وإذا كان هناك من نيّة ما لوضع الأمور في نصابها وإعادتها إلى سياقها المنطقي، فلتكن البداية من نقطة واضحة ومحددة، هي كناية عن مقترح لمعيارية أخلاقية تصلح للقياس على الواقع السوري، وتشكل مشتركاً يُجمع عليه الكثيرون في سوريا وخارجها، وهي معيارية تصح على الشعب السوري، كما على غيره من الشعوب العربية المحكومة كما نعلم بمنطق الاستبداد والاستئثار والإلغاء، مادياً ومعنوياً، ولتكن صياغتها ــ أي المعيارية ــ على النحو التالي: لا يصح في حال من الأحوال أن نأخذ شعباً بأكمله بجريرة ارتكابات نظامه، ونُسقط عليه أحكاماً ونعوتاً وتوصيفات أخلاقية بحجة أو بذريعة أن هذا الشعب إنما هو على صورة ذاك النظام. وبالتالي لا يجوز لأحد أن يقول مثلاً ولو على سبيل التندّر: ما دام النظام في سوريا على ما هو عليه الآن من رعونة وانغلاق وضيق أفق، فلا بد من أن يكون الشعب على شاكلته أيضاً، أي نظام جاهل لشعب «جاهل»!!!

من هنا تحديداً بدأت عملية التنميط الإعلامي وإسقاط نعوت و«توصيفات» بعينها، لمجرد أن هذه المدينة هي عاصمة الدولة التي يحكمها ذلك النظام، وهذا الشعب واقع تحت إمرته. هكذا وبكل بساطة تمت إهانة دمشق، أعرق عاصمة في التاريخ، وثاني أقدم مدينة مأهولة فيه، وذلك عبر نعتها باسم لا ينمّ إلا عن جهل أصحابه وضيق أفقهم وحقدهم على المدينة وناسها: ريف دمشق. لعلّه من المفيد هنا التوجّه لهؤلاء بكلمة تضع النقاط على الحروف: ماذا تعلمون عن دمشق أصلاً، حتى تعيّروها بريفها، وتظنوا أنكم بهذا النعت إنما تحطّون من قدرها وقيمتها الاعتبارية، ناهيك عن أصالتها المدينية، عبر ردّها إلى أصل ريفي أو هوية ريفية أو مكوّن ريفي. وأعتقد جازماً أن هذا السلوك الطفولي وغير المسؤول إنما هو صادر أساساً، وقبل أي شيء آخر، عن وعي ريفي وقصور معرفي وجهل حقيقي بمناخ المدن ومزاجها وأواليات تشكّلها تاريخياً، وصيرورتها إلى ما هي عليه. فكيف إذا علمنا بأن ذاك «التوصيف» بات ماركة مسجّلة لأناس يعيّرون دمشق وأهلها بريفية ما، بينما يدّعون لأنفسهم هوية مدينية مزعومة، أحسب أنها لم تحجب يوماً حقيقة تحدّرهم من أصول ريفية معروفة!!

يبقى أن من الواجب علينا الاعتذار المرّة تلو الأخرى من أهل ريف دمشق، تلك الفسحة الوادعة والجميلة التي تضم في ما تضم باقةً من أجمل المناطق السورية وأكثرها سحراً على الإطلاق: معلولا، صيدنايا، الزبداني، بلودان، دير عطية... إلخ، نعتذر لهم عن جهل البعض وسوء نية البعض الآخر، وعسى أن يعود هذا البعض إلى رشده ويدرك أخيراً الفرق بين الأصل والفرع، فدمشق ليست ريفها، كما أن بيروت ليست بيت الدين.