لم تأت بيلوسي الى دمشق لتخالف سياسة الولايات المتحدة الأميركية ، بل لتكملها وفق رؤية محددة لمصلحة بلادها ، رؤية باتت تتبناها أكثرية الاميركيين ، ليس فقط من الديمقراطيين بل وبعض الجمهوريين ايضا . لأنها تجمع من رفضوا الحرب مند الأساس ، الى من يرون انه ان الأوان لقطف الحلو من ثمار الحرب ، وترك المر لأهله . لتقشير قرص الصبار ، وترصيف القلب اللذيذ في الصحن الاميركي ، مع توزيع بعضه على الصينيين والروس والأوروبيين لإسكاتهم ، ورمي القشور الشائكة كلها للعراقيين والعرب.

من هنا فان الخلاف مع ادارة بوش تركز مند البداية حول رأيين : واحد يرفض الحرب كليا ، ويرى ان مصلحة الولايات المتحدة هي في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط بالأساليب الدبلوماسية والتفاوضية ، وبمساعدة اسرائيل ، ورأي رأى انه لم يكن هناك بد من الحرب لكسر شوكة العراق ، مما يكفي لبث الرعب في ركب العرب عامة ، ولكن ها هي الحرب قد اتت أكلها فتحقق تدمير العراق : جيشا أولا ، ثم ثقافة واقتصادا ومجتمعا ، دولة بكل ما يعنيه مفهوم الدولة. تحققت إزالة أي خطر يواجه إسرائيل ، تحققت سيطرة الجيش الاميركي على الخليج بكله ، وتحقق قانون النفط الذي وضع اخر لمساته بول وولفوييتز ( مهندس الحرب ) ، لذلك حان اوان الانسحاب العسكري وضرب الحديد وهو حام أي إطلاق العملية الدبلوماسية عبر العمليات التفاوضية على مختلف الجبهات بعد أن تم إنهاكها ، فيما يشبه تماما قاعدة معروفة في لعبة الملاكمة تقضي بان ينهك الملاكم الذكي عدوه ويستنفد قوته قبل توجيه الضربة القاضية. في اسرائيل استبقت بيلوسي زيارتها لدمشق بالقول ان الديمقراطيين والجمهوريين يختلفون على كل شيء الا على موضوع اسرائيل واعتبرت قيام اسرائيل اهم انجاز في القرن العشرين. مما يعني رسالة مزدوجة : تطمين لاسرائيل ، وتطمين للوبي اليهودي الاميركي قبل سنتين من المعركة الرئاسية ، وتنبيه لسوريا بان بوابة المصالحة مع اميركا هي القبول بالحل مع اسرائيل. واذا كان ثمة من يقول انها ليست بحاجة الى ذلك لان السوريين اعلنوا مرارا استعدادهم لدلك ، فان الرد يكمن في ان مضمون الحل هو اهم من الحل نفسه ، ومسيرة المفاوضات وسياقاتها هي اهم من مجرد حصولها.

لقد مضى الزمن السعيد الذي كانت اسرائيل تحلم فيه بمجرد جلوس العرب معها الى طاولة ، مما يعني الاعتراف بها ، وجاء اليوم الذي اصبح المطلوب استجداءها هي لتشريف الطاولة والاعتراف بالعرب . عنصر واحد يقلب المعادلة ، فيما لو اراد المقبلون على طاولات التفاوض مد اليد لنانسي بيلوسي ، من باب البراغماتية السياسية ، هو توفر اوراق قوة في يد المفاوض السوري والفلسطيني ، واولى هذه الاوراق واهمها هي ورقة المقاومة سواء العراقية او الفلسطينية او اللبنانية.

واذ نقول ورقة فلا نعني ابدا المساومة التي تؤدي الى رمي الورقة بعد استعمالها بل تعني التنسيق الكامل بين قوى الديبلوماسية وقوى المقاومة على الساحة لتحصيل افضل النتائج وتحصين الجبهات جميعا. الاميركيون في مأزق كبير في العراق ، والسيدة الثالثة في الهرم الاميركي لم تأت الا لحله ، لذلك لا يجوز ان يقدم لها الحل مجانيا ، ولا يجوز بالتالي ان يكون الثمن الا اعتماد حق المقاومة العراقية الوطنية في تحرير بلادها ليس فقط من الاحتلال العسكري بل ومن الحكم العميل وجميع القوانين والاجراءات التي اتخذت في ظل الاحتلال ، والاميركيون والاسرائيليون في لبنان في مأزق ، ولا يجوز انقاذهم منه الا باعطاء المقاومة والقوى الوطنية دورها في ادارة البلاد ، مع التنسيق الحتمي مع من يريد من الفلسطينيين.

عبء كبير هو ما يضعه هذا الكلام على ظهر سوريا وهي المستهدفة اصلا ، ولكنه قدر العواصم التي يختارها التاريخ كمركز للامة ، وقدر الديبلوماسية السورية التي عرفت دائما بخصوصيتها التي لا تجعلها لينة فتهصر ولا قاسية فتكسر. قدر عليها ان تنهض به منعا للاستفراد الذي يضعف الجميع

مصادر
الدستور (الأردن)