السياسة الأمريكية ليست محبطة، وهي أيضا لا تعيش تحولات حادة، فالقوات الأمريكية في العراق، وطبيعة الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط عموما لا يمكنها اليوم إعادة رسم دورها بشكل جديد أو حتى تصفية بعض مصالحها السياسية والاقتصادية. ولكن وفق المؤشرات فإن رهانات جديدة تطفو اليوم فوق الحركة الديبلوماسية "غير الرسمية" للولايات المتحدة، فبعد مراحل الاقناع بإعادة سلم الأولويات في المنطقة من "التسوية" مع إسرائيل إلى مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن التفكير السياسي ربما يتجه اليوم إلى إعادة ربط هذه المسائل.

عمليا فإن الإدارة الأمريكية قدمت رؤيتها قبل أربع سنوات حول الشرق الأوسط، وهي رؤية ليست سياسية بالمطلق، إنما تضمنت صياغة ثقافية دعمتها بالتعامل العسكري أو السياسي الحاد، لكن هذا التكتيك السياسي أنتج وبشكل سريع عودة إلى عمق "الصراع" العربي – الإسرائيلي. وظهر بوضوح خلال حرب تموز أن قدرة التعبئة ضد إسرائيل تتفوق على أي مواضيع أو طروحات أخرى. وربما دفع هذا الأمر إلى "تحوير" حرب تموز باتجاه مذهبي واضح منذ الأيام الأولى لها.

وبالطبع فإن ما يحدث اليوم لا بد من ان يخلف غضبا عند الرئيس الأمريكي جورج بوش، فهو حتى عندما يذكر سورية بالأسم في معرض انتقاداته لزيارة نانسي بيلوسي، لكنه في الواقع ينظر إلى ارتجاج استراتيجيته دوليا، فالمسألة كما تبدو هي خطوات أولى نحو الانتهاء من سياسة فرضت نفسها طوال ثماني سنوات، ولم يصبح العالم فيها أكثر أمنا، بل أصبح أكثر تحفزا وقلقا من "الآخر"،مهما كانت جنسية هذا الآخر.

بينما لا تعبر ابتسامات بيلوسي وهي تجول في أحياء دمشق القديمة عن مؤشرات سياسية جديدة، فما تقوم به هو الحالة الطبيعية للتعامل السياسي، أو حتى الديبلوماسي الذي يحتفظ بهدوء الأعصاب حتى في أدق اللحظات وأحرجها... فما نراه هو النظر إلى "الوضع" الطبيعي للتعامل الديبلوماسي الذي لا يدخل في الشتيمة رغم كافة التحفظات، ولا يدق طبول الحرب عند اول بادرة تصادم، والأهم من ذلك أنه يدرك أن "الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى"، وليست اختلاقا للأزمات بوسائل أخرى.

لا أحد يتوقع أن تقوم بيلوسي بمعجزة في سورية، وفي المقابل فإن دمشق تعرف أن التصور الأمريكي لم يبتعد كثيرا عما كان عليه قبل أربع سنوات، ولكن على الأقل فإن هامش السياسة بدأ يظهر، وهو أمر مرهون بقدرة كافة الأطراف على التعامل معه بجدية، وعدم تركه يضيق من جديد.