لم يكن مصطلح التأويل جديداً في هذا العصر، بل صاحب المرسلةَ الكلامية للإنسان من حيث المفهوم، لأن الباث كما المتلقي للخطاب يصدران عن ميكانزمات لغوية وملابسات فوق لغوية من شأنها أن تنحو بالمرسلة الكلامية مذاهب شتى وفاقاً للمعطيات السابقة، ولعل النصوص الدينية قد حظيت بممارسة تأويلية واسعة من متلقي هذا الخطاب لغايات مضمرة. فبين تأويل مركزي تتغيا به السلطة لتحقق قوتها عبر احتكار التحققات المفاهيمية للخطاب، وبين تلقٍّ لامركزي يتطلع إليه الشعب رغبة في تكريس سلطة القوة، من خلال ما تحتقبه الفراغات الثاوية في كل خطاب ضمن عملية تفكيكية لآليات المرسلة وتوجيهها.

وخضع الخطاب الديني منذ البدء لعمليات إيهامية محفوفة باللامساس وخروجه على مبضع التفكيك والتأويل، فحرص حماة هذا الخطاب على السيطرة على تأويلية أحادية ليبقى الخطاب الديني خطابا مغلقاً على تعددية هيرمونيطيقية، سداً لذرائع الخلاف وفق زعم سدنة هذا الخطاب، متسلحين بأزعومة الثالوث المحرم، الذي يقف فيه الدين احد ثالثة الأثافة المحرمة، وتحوَّل فيه دور الفقيه في الثقافة الإسلامية من رعاية مصالح الأمة إلى تسويغ سلوك الحكام ورعاية مصالح الطبقات المستغِلَّة المسيطرة. وتمتع الخطاب الديني منذ القرون الأولى بالذيوع والانتشار، وهذا أدى إلى السيطرة والهيمنة على الخطابات الأخرى، بوصفه الخطاب الإلهي - من حيث المصدر- فيصيَّر وفق قالَب الدين حتى يخرج من ثنائية الصدق والكذب لكنه من جهة أخرى خطاب واع بذاته إلى حد كبير يسعى جاهدا إلى تجنب التزييف. وكأي مجتمع وليد لا بد أن تكون له أيديولوجيا تتحقق بها وجوده ويقارع خصومه، لذلك مثلما كونت الحركة الإسلامية مجتمعها كذلك فإن هذا المجتمع المتكوّن اتخذ بطبيعة الحال من الإسلام أيديولوجيا له؛ فانتقل أو تحول الإسلام من حركة دينية إنسانية بحتة في مكة إلى حركة دينية اجتماعية في المدينة المنورة، وتطورت الحياة ودخلت أفواج شتى في الإسلام، فغدا النص مهما وهو أساس الحياة، وبالتالي تحول النص إلى سر مقفل يحتاج إلى جهد خارق لكي تنفتح مغاليقه ويكشف عن كنوزه وأسراره، وهكذا يكون هذا السر بمنزلة شفرة خاصة لا يطمح الإنسان العادي إلى الاقتراب من حدودها إلا بشق النفس، فعملية التأويل لا تعني أن فهم النص غاية سهلة بل هي عملية معقدة مركبة. لذا يتعين الولوج إلى قراءة تحليلية لكشف مفاتيح النص ومرتكزاته الدلالية، لتعيده نصاً جديداً قابلاً للقراءة والتأويل أيضا ويكون مختلفاً تماماً عن القراءة السابقة، في كل مرة نجد النص جديداً متطوراً متحولاً في الآن نفسه.

***

الخطاب الديني هو المعرفة المنظمة بأحد جوانب الواقع الاجتماعي الذي يسعى إلى تقديم مجموعة من التصورات الإسلامية والدلالات النظرية حول إحدى قضايا الواقع الاجتماعي أو إشكالاته المتباينة التي تم إنتاجها في السياق التاريخي. فالخطاب كلام علني موجه إلى الآخرين وهو عملية عقلية متكاملة تترابط أجزاؤها ترابطاً منطقياً، وهذا الكلام له علاقة بالعقل، فهو يعنى بسلوك الأفراد وتكون هذه السلوكيات مرهونة بحجة صاحبه أي المتلفظ به، ويدعى هذا ب التفكير بالحجة ، وهو تحديد التفكير حيث تتأتى قيمة الجملة من حجة صاحبها، وهذا يجعل الخطاب مشروعا وفعالا؛ فالنص يمتلك بين دفتيه ظاهراً وباطناً، فالباطن هو الأسرار والجوهر، وهو الحقائق التي يتضمنها النص من حيث هو مضمون، أما الظاهر فهو الصدف والقشر، وهو اللغة التي يظهر النص بها لأفهامنا وعقولنا؛ فاللغة وسيط تؤدي فعالياته لاكتشاف هذا السطح. فالتأويل هو الخطاب نفسه، هو كل الخطاب، مع ذلك نحتفظ من أرسطو بفكرة التأويل: تأويلٌ عن طريق الكلام قبل أن يكون تأويلاً حول الكلام، فهو أبجدية من أبجديات الحياة.

والدين شكل الوعي وطريقة يتمثل الناس بها صلاتهم بالعالم؛ أي علاقاتهم المتبادلة، ومكانهم في الطبيعة والمجتمع، وهو عبر مجتمعاته ومؤسساته شكل اجتماعي للوعي، لكن مشكلة البشر في تاريخهم الاجتماعي، هي أنهم يصنعون أحداثه، فيقوم هذا الخطاب بتفسير كل الظواهر الطبيعية والاجتماعية؛ فالدين يحمل في طياته أخلاقيات وسلوكيات ونظماً اجتماعيةباعتباره سلوكاً ناظماً لأتباعه.

وتصوير النص على أنه فعل لساني وعمل لغوي يجعل من النص صراعاً دامياً في لغته ذاتها، بين دلالة القصد وصيرورة المعنى، وبين كونه قولاً وكونه تأثيراً، وبيبن مدلوله الذي يرتبط وجوداً بإرادة خارج اللغة ودالة الغيور الذي يأبى أن ينصاع لغير إرادته الذاتية في إنشاء معناه.

وهذا النص بحاجة إلى قارئ واعٍ وقادر على تأويله وفهمه، فينظر إلى اللغة على أنها أساس التكليف الشرعي وأداته بوصفها نظاماً دالاً في النسق المعرفي يرتبط بغيره من الأنظمة الدلالية ولا ينفصل عنها، ومنهم من عد التفسير مرادفاً للتأويل. واستخدم قدامى المفسرين أمثال محمد بن جرير الطبري (ت. 310 ه) التأويلَ حين أطلق على كتابه في التفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن ويبدأ دائما تفسيره للآية بقوله: القول في تأويل قوله تعالى ، كما إن سيبويه في كتابه يذكر التأويل ويفرّق بين التأويل والتفسير بالتأويل للعملية الذهنية والتفسير للدلالة على الوضوح. وهي للمفسِّر أن يضع الإنسان نفسه في المعنى الذي حددته علاقة التأويل هذه المحمولة من طرف النص نفسه فمهمة المفسر هي النفاذ إلى عالم النص.

فعبد القاهر الجرجاني يؤمن بإمكانية تعدد المعاني مع توحّد النظم وذلك حين قال: من أنك تستطيع أن تنقل الكلام في معناه من صورة إلى صورة، من غير أن تغير من لفظه شيئا أو تحول كلمة عن مكانها إلى مكان آخر، وهو الذي وسع مجال التأويل والتفسير، حتى صاروا يتأولون في الكلام الواحد تأويلين أو أكثر ويفسرون البيت الواحد تفاسير عدة. فتشكلت مهمة المفسر على أنها استكناه عوالم النص وحل مستويات المعنى الكامن فيه الظاهر والباطن، الحرفي والمجازي المباشر وغير المباشر، فالتأويل هو المصطلح الأمثل للتعبير عن عمليات ذهنية على درجة عالية من العمق في مواجهة النصوص والظواهر، بالتالي نحن ندرس فن التأويل وفن الكلمة والتعبير.

إن تأويل نص معناه شرح كيف أن هذه الكلمات تحيل في ذاتها على أشياء مختلفة، والمقصود بها تعدد التأويلات، فكل يقرأ النص كما يريد أو وفق رؤيته الابستمولوجية.

وحدد علماء القرآن العلاقة بين التأويل بالتفسير؛ فالتفسير يتعلق بالنقل، في حين يتعلق التأويل بالعقل، إذن نحن بأمس الحاجة إلى التأويل لأن التمسك بالدلالات الحرفية لمفاهيم اجتماعية /تاريخية في لغة النصوص يؤدي لا إلى إهدار الواقع والنص حسب، إنما يؤدي إلى تزييف مقاصد الوحي الكلية.

ويذهب بول ريكور إلى أن التأويل: السير في الطريق الفكري الذي يفتحه النص، أي الاتجاه نحو ما يُضيئه النص ويُشرق عليه، فيعد بذلك لغة العقل، فالنظر هو التأويل نفسه كما أنه عند نصر أبو زيد الوجه الآخر للنص؛ يمثل آلية هامة من آليات الثقافة والحضارة في إنتاج المعرفة، والتأويل هو الاجتهاد في الشيء، ويعد محاولة للفهم؛ والفهم هو محاولة لكشف المعاني واستجلاء الغموض، ومحاولة للتوصل إلى جوهر الأشياء وحقيقتها، والفهم ليس هدفاً في حد ذاته، الفهم هو إماطة اللثام عن أشكال الوهم الكامنة في المعرفة، وبهذه الطريقة نصل إلى غاية أكبر وأعمق وهي تغيير الحياة إلى الأفضل ولتحسين الوجود الإنساني، فهو لا يكتمل إلا بالانفتاح على الزمن كبعد مؤسس للوجود. فهو يعني الرجوع إلى المصدر والكشف عن الأساس، فيكشف عن الأصل الحقيقي الذي يختفي وراء الحديث أو الخطاب ولكل حدث أو فعل أو نص ظاهر وباطن، ولا نستطيع معرفة الباطن إلا بالتأويل؛ لنصل إلى الهدف والغاية عن طريق الحركات الذهنية في اكتشاف أصل الظاهرة.

والتأويل بحث في نظام دلالات الخطاب لإدراك المراد، كما يرى أبو الحسين البصري بأن النص يتضمن أكثر من دلالة وفق قدرة المستدل ودقة نظره وإمعانه في النظر، فالتأويل في هذا المستوى هو الفهم والإدراك، فالنص متحرك متعدد قابل للاحتمالات؛ ولذا فإن التأويل يبحث في الدلالة المتعددة والمتشابهة والمختلفة. كما أنه يُعَدُّ منهجاً يخضع لقانون عام يقوم على العلاقة بين الجزء والكل، أو بين الفردية والكلية، أو بين الذات والموضوع، ويقوم هذا المنهج على فرضية بسيطة هي أن شكل التعبير يعكس بالضرورة الروح العامة للثقافة. ويُعَدُّ سلوك طريق الفكر التي فتحها النص وهو السير باتجاه شرق النص. فالتأويل أمر مشروع على مستوى الوجود وعلى مستوى النص، وجعل من فعل القراءة فعلا شاملا لا يقصر مفهوم النص على النص اللغوي بل يمتد به ليشمل الوجود؛ أنا أفهم فإذن أنا موجود، وكل تأويل يقتضي تأويلات، وكما تتعدد القراءة تتعدد التأويلات، وهذا الفهم قائم على العمليات الذهنية والعقلية، فالاجتهاد في تأويل النص يتكئ على حركة العقل للنفاذ إلى أعماق النص.

والتأويل هو جواب تلك المباعدة الأصلية التي يشكلها إسقاط الإنسان في آثار خطابه المقارنة بإسقاطه في إنتاجات عمله وفنه، فيشكل النص مجرد مثير للخيال، في حين يشكل التأويل إعادة بناء قصدية النص وفق قواعد خاصة للتأويل. وجوهر عملية التأويل هو الكشف عما يكمن خلف الأشياء الظاهرة من دلالات ومعان، ومحاولة كشف الغموض البادي في الظاهر بالتعمق خلفه والكشف عن آفاق للمعاني لا ندركها من النظرة الظاهرية، ويعني هذا فن إدراك وتحديد المعنى المضمر في النصوص. ويقوم على نشر مستويات المعنى المنضوية في المعنى الحرفي، فهو طريق العقل إلى النص وأداة استنباط المعقول من المنقول. وإعادة بناء النص بمعنى أنه يقوم بتفكيك النص، بوصفه بناءً هرمياً إلى وحدات قابلة للتوظيف دلاليا، ويتضح أن التأويل الدلالي هو عود إلى مقررات الإسناد المنطقية حيث تقوم الممارسة التأويلية بإخراج القيم الغامضة والمختلفة من حالة التنافر واللامعنى والغموض إلى قيم مدركة ومعروفة؛ وهو يحرف اللغة والمفردات عن أوضاعها الأصول. وإخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير إخلال باللسان العربي، من هنا فإن التأويل لا بد أن يكون متسقا مع اللسان العربي والعقل، فهناك تأويل وتأويل مضاد؛ فعمل التأويل يكشف عن عزم لجعل القارئ معادلاً لنص أصبح غريبا، وكذلك لدمج معناه في الفهم الحاضر والذي يستطيع الإنسان أن يأخذه من نفسه بالذات، وهي أداة معرفية، ويمكن استخدامها لاستقراء الدلالات في موضوعات متعددة قد يكون موضوعها الرؤى والأحلام، وقد يكون موضوعها الأفعال الإنسانية، وقد يكون موضوعها الأشياء، وأخيرا النصوص اللغوية، وهذا يؤكد أن للثقافة العربية مفهوماً للنص بالمعنى السيميوطيقي ويمكن القول إن الثقافة قد طورت مع الإسلام مفهوماً للنص يشمل الكون كله من أعلى مرتبة إلى أدناها.

وهذا النص يشغل مركز الدائرة في ثقافتنا، حتى غدا هذا النص المولِّد لكل أنماط النصوص التي تختزنها الذاكرة/ الثقافة، فالنص يعبر عن آراء وأفكار، وكل فكر ينبغي أن يؤوَّل داخل فكر آخر.

والتأويل تعبير يدل على اللغة الحوارية بين المفسر وبين النصوص التي يفسرها، واللغة تصيِّر النص كائناً وجودياً حياً له أفقه الخاص، فهذه النصوص ليست كيانا جامدا، إنما هي طاقة وجودية، فنحن ندخل معها في حوار ينتهي إلى ذوبان الذات في النصوص والعكس، فهذه النصوص تتحدث إلينا، فنجد أنفسنا نتعلق بتلك النصوص ونتفاعل معها، من هنا تشكل هذه النصوص قوى وجودية تؤثر في العقول والقلوب وتكون خطيرة على الأنفس وعلى الفكر أيضا.

وترتكز العملية التأويلية على عناصر مهمة وهي: المرسل (المخاطب) والمستقبل (المرسل إليه) والنص ( المادة المرسلة) وهذه العناصر الثلاثة لا تمضي إلا باللغة، فاللغة تعبر عن الذات وتفسر الذات فأنت تتكلم بلغة وتسمع بأخرى، ونحن هنا أمام نص هو الوجود الجامع الصغير أو هو كلمات الله المرموقة الموازية لكلماته المسطورة في رق متنشور الوجود.

وغدا لهذا النص المقدس في حضارتنا دور ثقافي ولا يمكن تجاهله في تشكيل ملامح هذه الحضارة وفي تحديد طبيعة علومها، فيتصف النص الديني بالجلال والجمال، ويدل على صفات التنزيه والتقديس والمفارقة والقهر، فإذا كان الحديث عن النص القرآني فهو بامتياز نص يمتلك كلاماً وليس نصا تنطقه اللغة وإن كان يستمد مقدرته القولية أساسا من اللغة والمقصود بمقدرته القولية مقدرته من حيث موجه للناس في سياق ثقافة بعينها، وليس المقصود مقدرته من حيث طبيعة المتكلم به الله عز وجل ، والنص ليس مرآة عاكسة للثقافة حسب، بل إنه يسهم ببنيتها اللغوية الخاصة - أي بآلياته المتميزة بوصفه نصا- بنقل الثقافة من مستويات الوعي إلى مستوى أعلى، ففي حين تعاملنا مع النص الديني تنطلق من حقيقة كونه نصا لغويا، فليس معنى ذلك إغفال الطبيعة النوعية لخصائصه النصية، وليس مقصودنا هنا بخصائصه النصية الوقوف عند مستوى المرسل/ باث النص، فالنص القرآني يستمد خصائصه النصية المميزة من حقائق بشرية دنيوية، اجتماعية ثقافية لغوية في المحل الأول. فالنصوص ثابتة في المنطوق متحركة متغيرة في المفهوم، وفي مقابل النصوص تكون محكومة أيضا بجدلية الإخفاء والكشف، فالنص لغة واللغة تتطور بتطور الحراك الاجتماعي والثقافي، فتصوغ مفاهيم جديدة، أو تطور دلالات ألفاظها للتعبير عن علاقات أكثر تطورا، فمن الطبيعي بل والضروري أن يعاد فهم النصوص وتأويلها بنفي المفاهيم التاريخية الاجتماعية الأصلية وإحلال المفاهيم المعاصرة والأكثر إنسانية وتقدما مع ثبات مضمون النص.

وتلتبس العلاقات البينية في النص الديني فتغدو عصية على التفكيك والولوج إلى كنه هذا النص، ولعل سدنة الخطاب هم من بثوا ثقافة اللامساس في مفاصل النص ليبقى ملتبساً، فينفردون بتأويله وتوجيه خطابه الوجهة التي يصدرون عنها في التعامل مع النصوص، وإزاء هذه الرؤية لمشهد النص الديني يتعين على المؤوِّل أن يسعد النظر في ماهية هذا النص وسبر مفاصل اللغة التي تحتض النص، وإدراك مرواغة النص اللغوية؛ حتى لا يقع في فخ التأويل المضاد، فتتعمق المسافة بين النص والمؤول، ويُمنع لذة الدهشة، وألق الكشف.