ما الذي يترتب على الفرضية الإسرائيلية القائلة، بأن الصراع العربي الإسرائيلي ليس سوى واحد من صراعات عدة في هذه المنطقة، وانه بالقطع ليس أهمها أو أخطرها لا بالنسبة لإسرائيل ولا بالنسبة للمعتدلين العرب؟. الحواب على هذه الفرضية، يبدأ بسؤال أو تساؤل: لماذا الاستعجال إذن، في معالجة هذا الصراع، ولماذا توضع القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمامات الإقليمية والدولية، بل ولماذا يعتبر الموقف منها، معيارا للعلاقات بين الدول وأساسا لبناء التحالفات والمحاور؟.

منذ أن راجت في الخطاب السياسي العربي مصطلحات من نوع: معسكر المعتدلين العرب، والخطر الإيراني، وإسرائيل لا تكف عن الترويج لفرضية "ثانوية الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية"، فالعرب والإسرائيليون لديهم ما يجمعهم ويوحد جهودهم أكثر مما يفرقهم ويوزعهم على خندقين متحاربين، والتهديد الذي تمثله إيران على وجود النظم المعتدلة ومستقبلها، أكبر من ذاك الذي تشكله إسرائيل، وفرص بناء تحالفات ومحاور عربية إسرائيلية ليست منعدمة تماما، بل أنها تزداد كلما ارتفع منسوب القلق العربي/الإسرائيلي من الخطر الإيراني.

المعتدلون العرب، بعضهم على الأقل، انزلقوا إلى ضفاف هذه المقولة أو كادوا ينزلقون، ولسان حالهم يقول ليت أن إسرائيل تساعدنا في "المسألة الفلسطينينية" ليساعد بعضنا بعضا في المسألة الإيرانية، لكن إسرائيل التي لم تقديم "التنازلات" للعرب حين كانت فلسطين قضيتهم المركزية الأولى، ليست مستعدة على ما يبدو في وارد تقديم تنازلات لهم بعد أن تراجعت مكانة هذه القضية إلى الوراء كثيرا.

قمة الرياض التي سلطت مزيدا من الأضواء على مركزية المسألة الفلسطينية ومحورية الصراع الإسرائيلي، أثارت حنق إسرائيل، التي قابلتها بالصد والرفض، حتى من قبل حمائمها، أولا لأنها عرضت مبادرة سياسية مقبولة دوليا وغير محتملة إسرائيليا وثانيا لأنها أعادت ترتيب جدول الأولويات العربية، ففي الوقت الذي لم تجد فيه دعوات التفاوض المباشر والتطبيع الإسرائيلية أذنا صاغية في الرياض، كان وزير خارجية إيران يجلس في الصف الأول لجناح كبار الضيوف في قمة الرياض. والحقيقة أن من تابع الجدل الإسرائيلي حول قمة الرياض يستطيع أن يخرج بخلاصة قديمة جديدة، مفادها أن فلسطين، كانت وما زالت ويجب أن تظل قضية العرب المركزية الأولى، والأهم أن العرب يجب أن يتعاملوا معها على هذا الأساس، فأي انصراف عن هذه الأولوية، يعني تقديم الصراع المذهي (السني الشيعي) أو العربي – الفارسي، أو العربي التركي أو العربي الإفريقي على الصراع العربي الإسرائيلي، ما يعني دخول العرب في حروب مع أنفسهم ومع جوارهم الإقليمي التاريخي، وترك حقوقهم ومستقبلهم نهبا للشهية التوسعية الإسرائيلية.

الجريدة الدستور