تفوح رائحة انتصارات في العاصمتين السورية والايرانية في أعقاب اسبوع كان حافلاً بما يرفع حمية «المنتصرين» ويشد من عزيمة الممانعين. لكن هناك مخاوف من أن تخبو هذه الرائحة او أن يبدأ عبقها بالزوال حالما تتكشف الحقائق خلف الانتصارات التي استدعت الاحتفالات.

في طهران اخذت تطغى على الاحتفال بـ «الانتصار» على بريطانيا الحقائق الجديدة عن ظروف احتجاز رجال البحرية البريطانيين والتكذيب الرسمي لرسائل «الاعتذار» المفترضة من توني بلير الى القيادة الايرانية. يأتي ذلك بعد اعلان طهران انها ارغمت بريطانيا على الاعتراف باختراق عناصر بحريتها المياه الاقليمية الايرانية، وبعد التقارير في صحافة طهران عن «صفقة» سيتم بمقتضاها اطلاق واشنطن الايرانيين الخمسة من رجال «الحرس الثوري» الذين اعتقلوا في اربيل مقابل الافراج عن البحارة البريطانيين. اما رسالة الاعتذار فقد «أكدها» كلام رسمي على لسان رجال مرموقين مثل مستشار المرشد علي خامنئي وزير الخارجية السابق علي اكبر ولايتي، ورئيس البرلمان غلام علي حداد عادل، وقيل ان توني بلير تعهد فيها بعدم انتهاك المياه الاقليمية الايرانية في المستقبل. لكن لم يلبث أن جرى تكذيب هذا التعهد من قبل بلير نفسه الذي قال انه لم يبعث بأية رسالة من هذا النوع وان الاتصالات بين مستشاره نايجل شينوالد وعلي لاريجاني الرئيس النافذ لمجلس الامن القومي الايراني لم تتعد التأكيد على رغبة لندن في حل النزاع بالطرق السلمية، ولم تقدم اي تعهد او اعتذار، لأن الحكومة البريطانية لم تعترف أصلاً بصحة الرواية الايرانية عن المكان الذي احتجز فيه البريطانيون.

أكد ذلك ما اعلنه رجال البحرية انفسهم امس عن انهم كانوا على بعد 1.7 ميل خارج المياه الاقليمية الايرانية، وتحدثوا عن الظروف التي تم فيها احتجازهم، وهي ظروف تقدم الصورة المعاكسة لما شاهده العالم عبر الشاشات الايرانية من هدايا وشطرنج وابتسامات وسلوك انساني حضاري من قبل السلطات الايرانية حيال أسراها. تضاف الى ذلك وتزيد من بشاعته الطريقة التي تمت بها معاملة المرأة الوحيدة بين المجموعة التي تم عزلها واستخدامها كوسيلة للدعاية الايرانية في اسلوبها الفريد في العمل الديبلوماسي.

اما بالنسبة الى رجال «الحرس الثوري» الخمسة المعتقلين في اربيل فقد تبين ان التفاؤل بشأن «الصفقة» لاطلاقهم مبكر ايضاً. فحتى الوعود السابقة بتسهيل زيارتهم من قبل ديبلوماسيين ايرانيين تبخرت، وكل ما حصل هو قيام وفد من الصليب الاحمر الدولي بزيارتهم وتأكيد الناطق العسكري باسم القوات الاميركية في العراق الجنرال كالدويل انهم لا يحملون الصفة الديبلوماسية بل هم ضباط في جهاز الاستخبارات الايراني كانوا يقومون بنشاطات «غير مشروعة» في العراق.

هذا في طهران. اما في دمشق فقد انتهى الاحتفال المشهود بالانتصار على ادارة بوش نتيجة خرق رئيسة مجلس النواب الاميركي الديموقراطية نانسي بيلوسي حالة العزل التي تقول الحكومة السورية ان الغرب يفرضها عليها، الى تأكيد بيلوسي نفسها انه «لا يوجد فرق في مواقف الوفد النيابي الذي ترأسته ومواقف الرئيس بوش حول القضايا التي اثارها الوفد مع الرئيس بشار الاسد». يضاف الى ذلك خروج ايهود اولمرت عن «صمته» حيال رغبة الاسد في السلام وتأكيده ان المطلوب ان تستبق دمشق عروضها السلمية بتخليها عن دعم التنظيمات «الارهابية». كل هذا الى جانب تأكيد المواقف الاميركية التقليدية حيال الأزمة اللبنانية، حيث هناك حاجة لمنظار مكبّر من النوع الضخم للعثور على أي تمايز بين موقف بيلوسي كما عبرت عنه خلال زيارتها لبيروت وموقف الرئيس بوش.

قد يكون هناك مبرر او تفسير لحالة النشوة التي رافقت زيارة بيلوسي لدمشق أو احتجاز البريطانيين في طهران. فالعاصمتان تعيشان حالة من القلق حيال علاقاتهما الدولية تنعشها اي مبادرة خارجية من نوع الاتصالات التي حصلت في الآونة الاخيرة. لكن تضخيم حقيقة هذه المبادرات واعطاءها أحجاماً غير واقعية يمكن ان ينتهي الى عكس المبتغى، فيكون حصاد الفرح المبكر خيبة أمل مبكرة... وهو ما شهدناه في اليومين الماضيين.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)