بداية علينا عدم تحميل ما قاله سماحة مفتي سورية أحمد بدر الدين حسون التي نشرتها جريدة بلدنا أمس، أكثر مما يمكن أن تعنيه، لكنها على الأقل تطرح أمامنا بداية جوهرية في التعامل "العقلاني" مع موضوع الحوار داخل أكثر المسائل حرجا في ثقافتنا اليوم. وهو ما يدفعنا إلى اعتبار كل ما قلناه عن العلمانية سابقا أو ما يمكن ان ننشره لاحقا حول العلمانية خاضعا للحوار والنقاش. فالدكتور حسون وضعنا بالفعل أمام نقلة معرفية جديدة باتجاه كسر كل المطلقات.. وربما الحديث مجددا عن "الإصلاح الديني".

وما يمكن أن نقوله اليوم عن "الإصلاح الديني" هو أيضا ليس مطلقا ويحتاج أيضا لنقاش مع "رجال الدين" في محاولة لفعل تنويري جديد، يرتبط بطاقة ثقافتنا على إعادة إنتاجها من جديد. فالإصلاح الديني كما نريد له أن يظهر نراه:
-  مسألة لا تتعلق بالدين بذاته بل بالنظام المعرفي المتبع اليوم في تحليل مواقف الحياة من قبل رجال الدين.

-  وهو مسألة أيضا لا تتعلق بـ"النظام الديني" وما أوجده من عقائد إيمانية مرتبطة أساسا بالأفراد، بل هو بالدرجة الأولى يمس الانتاج الثقافي وما يمكن أن نقدمه اليوم على مساحة حياتنا من رؤية جديدة.

-  وأخيرا فهو مسألة متعلقة بـ"السلوك" الخاص للمتعاملين بشؤون الدين مهما اختلفت مواقفهم سواء كانوا علماء أو فقهاء أو دعاة أو حتى أشخاص عاديين، بحيث يصبح ضمن هذا السلوك محاولة لفهم الاخر أو الحوار معه.

وحتى هذه المسائل السابقة هي مجال حوار لأننا عندما نتحدث عن "إصلاح ديني" فإننا نطرح هذا الأمر أولا وأخيرا أمام "رجال الدين"، أو المرجعيات المعرفية الإسلامية التي نتعامل معها يوميا وأسبوعيا من خلال المساجد، أو حتى عبر الرغبة الاجتماعية التي ظهرت مؤخرا في وضع "رجال الدين" داخل كل تفاصيل الحياة.

كـ"عقلانيين" أو "علمانيين" يمكننا ليس الاعتراف فقط بأن انحسار العلمانية شأن ارتبط بالتنافر الاجتماعي مع "الدين"، بل أيضا بضرورة وضع بدايات جديدة لمسألة الحوار حول هذا الموضوع.. والبحث أيضا في تحديد ما يراه الطرفين في مسألة "الإصلاح الديني".

القضايا التي طرحها الدكتور حسون نراها دعوة لنا لتحديد مشروع العلمانية من جديد، وإعادة صياغة "الإصلاح الديني" كما نراه ليصبح مجالا للحوار وليس "إيديلوجيا" غير قابلة للنقاش... هو دعوة لكي نبدأ العمل مادام مفتي الجمهورية طرح هذا السؤال...