اختطف الموت المفاجىء قبل عدة أسابيع، المناضل اليساري الايطالي"ستيفانو كاريني" ابن الحزب الشيوعي الايطالي- تحت التأسيس- وأحد أبرز الكتاب في الصحيفة الإيطالية المعروفة "مانفستو". توقف قلب فقيدنا فجأة، وهو في العقد الخامس من العمر. هذا القلب الذي ضخ لشرايين العالم كله، أجمل المشاعر الإنسانية المفعمة بحب فلسطين المحتلة، والعراق المنتفض بوجه الغزاة. رحل "ستيفانو" الايطالي الولادة، الأممي الفكر، العربي/الفلسطيني الانتماء، وهو في قمة عطائه النظري والعملي. لم تتوقف مساهماته الفكرية عند حدود المواجهة مع "كتبة المارينز" المتعددي الجنسية، بل استطاع تحويل قلمه إلى بندقية تقاتل الوحشية الصهيونية/الأمريكية في فلسطين والعراق ولبنان.

كان راحلنا الكبير من المؤسسين للجنة محاكمة مجرم الحرب، عدو الانسانية "شارون" التي تأسست في بيروت عام 2000. كما ساهم بزيارته تلك، وبمشاركة أكثر من أربعين شخصية سياسية ومجتمعية في لبنان، على تشكيل هيئة دولية تعمل على تخليد شهداء مجزرة صبرا وشاتيلا. وبفضل جهوده وتفانيه في العمل والمتابعة، تم الإعلان عن لجنة" كي لاننسى صبرا وشاتيلا"، ولهذا استطاع " ستيفانو" أن يُحقق ماعجزت عنه، أو قصرت بتنفيذيه، قوى فلسطينية عديدة. فقد أعاد للمكان الذي احتضن جثامين الشهداء، هيبته ورمزيته. تحولت تلك البقعة من "مكب نفايات" إلى " مقبرة شهداء" . أحد رفاق الراحل في اللجنة، والشخصية الفلسطينية الناشطة في حقل الخدمات الاجتماعية، والمسؤول عن مؤسسة _بيت أطفال الصمود_"قاسم عينا" تحدث عن هذا الجانب من حياة فقيدنا، في اللقاء الذي جمعنا في حفل تكريم "ستيفانو" الذي دعى إليه "مركز الغد العربي للدراسات" في دمشق مؤخراً (كان ستيفانو يحرص على الحضور في أيلول/سبتمبر من كل عام لتنظيم نشاط اللجنة التي انضم اليها العشرات من الناشطين في عدة دول اوروبية. مابين 11 _ 17 أيلول من كل عام كانوا يتواجدون جميعاً معنا، نقوم بزيارة المقبرة. كنت أشعر بالخجل لذلك، فلولاه، كانت اللجنة قد انتهت).

لقد تعرض فقيدنا للعديد من المضايقات والتهديدات الصهيونية، من أجل ثنيه عن عمله في اللجنة. لم يلتفت لكل ذلك بل استمر في التزامه بالقضية التي نذر حياته لها، الدفاع عن المضطهدين في العالم، ضحايا الغزو الصهيوني/الأمريكي. ولهذا، قام القتلة بإلقاء قنبلة على مكتبه في مقر" المانفستو". لم يغادر المكان، رد على الجريمة فوراً. بدعوته لمؤتمر صحفي في الغرفة التي تناثر على أرضها الزجاج، وبقايا أوراق ممزقة ومحترقة، أكد مجدداً(التزامه بمجابهة الصهيونية، وفضح سلوكها الوحشي، وتضامنه الكامل مع حق الشعب الفلسطيني بمقاومة المحتل وتحرير وطنه). بعد احتلال العراق، زار الفقيد أرض الرافدين، تجول فيها كثيراً، رصد بعيون الصحفي، وعقل الكاتب الملتزم، همجية الغزاة، ومقاومة الشعب لهم. كتب حول كل ذلك بمصداقية، وموضوعية، وانتماء للشعب والمقاومة. عاد من هناك منهكاً، فقد أصيب بالتهاب في عينيه، جعل رفاقه ومحبيه يساعدونه في كل تحركاته. ومع ذلك أصرعلى زيارة بيروت والمكوث فيها لبعض الوقت من أجل متابعة عمل اللجنة. تحدثت في اللقاء" مونيكا" زميلة "ستيفانو"، وأحد أركان اللجنة في ايطاليا، بلغة جميلة ومعبرة، امتزج فيها ألم الفراق مع الإصرار والأمل، كانت الدموع تفيض من مقلتيها وهي تؤبن رفيق دربها، حدثتنا عن دوره وقدراته الاستثنائية. كان دينامو اللجنة التي يتابع عملها باستمرار، ويبادر على الدوام لتوسيعها بأعضاء جدد، واستطاع بعد جهود مضنية إلى تحويلها رسمياً إلى مؤسسة. كان يشجعنا دائماً على(المزيد من العمل لفضح الامبريالية المتوحشة، والتضامن مع حركات المقاومة في كل مكان) كان مسكوناً بالقضية الفلسطينية، كتب ناقداً "اتفاق اوسلو" ومؤيداً حق عودة اللاجئبين الفلسطينيين إلى بيوتهم ومدنهم التي طردوا منها عام 1948.

زار الراحل العديد من مخيمات شعبنا في أكثر من مكان، وقد تجول في "اليرموك" و"جرمانا" والتقى بالعديد من المواطنين والناشطين فيها. كانت الكوفية "الحطّة" الفلسطينية رفيقة حياته، ولهذا فقد رافقته في رحلته الأبدية، إذ حرصت عائلته الكبيرة "الأسرة والرفاق" على أن يُلف جسده بها.

بفقدان "ستيفانو" تخسر قضية الحرية أحد أبرز المدافعين عنها، لأنه كان من القلة التي أصرت بوعي وحزم على الدفاع عن حق الفلسطينيين وكل أبناء الأمة، في الحياة الحرة الكريمة على أرض وطنهم. ولأنه امتاز بقدرة استثنائية على جمع العديد من الناشطين حول أفكاره، عن طريق تفعيل المنطق والشعور الانساني، في مواجهة الغزو والاحتلال والمذابح.

ربع قرن مضى على المذبحة الشارونية/الفاشية العنصرية في مخيم صبرا وشاتيلا، ولكن المجزرة لم تتوقف، لأنها مرتبطة بالاحتلال والغزو. ولهذا فإن احياء تلك المناسبة هذا العام، سيكون تخليداً للشهداء الذين سقطوا بالمجزرة، وللمناضل الأممي الكبير"ستيفانو" الذي بقي مسكوناً بعظمة التضحيات والشهداء، وبالأمل في حرية فلسطين وعودة أبنائها الأحياء والشهداء لها.