لم نشأ محاكمة مرشحي الدور التشريعي التاسع لمجلس الشعب، في سؤالهم عن بياناتتهم الانتخابية أوحتى الدعاية لها، كان ثمة هواجس عن المزاج العام الذي يتحرك المرشحون في إطاره أردنا تقصي معالمه، وربما جس نبض مبدئي لتكوين ملامح مجلس الشعب الجديد، ولاسيما أن صور مرشحي هذه الدورة حملت تنوعاً عمرياً واجتماعياً وفكرياً كبيراً، يفترض أن يحمل تنوعاً في طبيعة الوعود والأهداف التي يسعى لتحقيقها كل مرشح في دخوله مجلس الشعب. أربع قوائم أعلنت عن اسمها مبكراً دون أن تعلن عن أسماء أعضائها إلا في وقت متأخر من أيام الحملة هي: (قائمة التطوير والتنمية) و(قائمة الفيحاء)، و(قائمة الشام) و(قائمة البشائر)، إلا أن أبرز ما ميزها ائتلاف عدد من رجال الأعمال فيها إلى جانب عدد من الشخصيات المعروفة في المجتمع السوري، وفي منافسة القوائم الأربعة يخوض باقي المرشحين حملاتهم على نحو فردي. ورغم أن عدد المقبولين للترشيح للدخول المجلس بلغ 9770 مرشحاً، إلا أن تنوعاً كبيراً في الخطوط العريضة لحملاتهم الانتخابية لم يحدث، ولاسيما في العناوين التي بدت مانشيتات الحياة اليومية السورية (محاربة الفساد، تحسين مستوى دخل المواطن، التعليم والصحة...)، وهي عناوين بدت مزمنة ومتلازمة مع كل دور تشريعي للمجلس..مع اختلافات بسيطة بين مرشح وآخر، سواء لجهة تصديره لها أو اللعب على مفردات التعبير عنها.

وإضافة إلى المانشيتات المعتادة اكتسحت مفردة (الشباب) هذا العام الحملات الانتخابية على نحو كبير، وما قيل إنه دم شاب للمجلس، قابله البعض بسؤال الحيرة مما يستطيع فعله هؤلاء في المجلس على أرض الواقع ولاسيما قي القضايا الكبرى التي غالباً ما تحتاج إلى خبرة ودراية.

الكلام على هذا النحو لا يلغي وجود بعض البيانات الخاصة لا بمضمونها وإنما بنوعية المرشحين الذين يقفون خلفها أيضاً، ومنها بيان المرشحة المستقلة عن مدينة حلب سها محمد شريف مايو، وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث بينت بداية إن ترشحها جاء (لأشعر ونشعر نحن من ذوي الاحتياجات الخاصة بأننا نُعيل المجتمع ولسنا عالة على المجتمع)، وقد حددت أهدافها في بيانها انتخابي بـ(رعاية المعاقين في المدارس وتسهيل أُمور دراستهم وتعلمهم حتى بعد المرحلة الجامعية، إلغاء التمييز بين المعاق والصحيح، وطرح كل الواجبات على جميع القطاعات مثل تعبيد الأرصفة للمعاقين, ودمج المعاقين جسدياً مع المدارس العادية وتنظيم مداخل المدارس والجامعات والدوائر الحكومية..وإشراك المعاقين بالمهرجانات والمؤتمرات والأنشطة المقامة تأييداً للسيدة الأُولى التي اقترحت إشراك المعاقين أو ذوي الاحتياجات الخاصة بالترشيح والانتخاب في البرلمانات والمناصب القيادية..).

بيان المرشحة سها الذي حدد أهدافه بنحن من ذوي الاحتياجات الخاصة دون أن يخرج عنها، كان فاتحة أسئلة، عما يريده المرشحون من المجلس، وما موقفهم من قضايا حياتية على تماس مع المواطن كقضية رفع الدعم التي بدأت تصريحات حكومية تنذر بها، ما الغاية المرجوة من التكتلات الانتخابية، وما الذي يعرفه المرشحون عن المجلس وما الذي ينتظرونه منه..؟!

أسئلة كثيرة آثرنا أن ننقل أجوبتها على لسان عدد من المرشجين دون تدخل مباشر أو تعليق، مع الإشارة إلى أن اختيار المرشحين تم على نحو عشوائي دون معايير محددة..

المرشح د. رفلة كردوس ينافس على مقعد في مجلس الشعب ضمن قائمة موحدة تجمعه مع رجال أعمال وصناعيين ورجال دين..سألناه بداية عن ترشحه وأسباب وجوده في القائمة، فأجاب بأن ترشيحه بناء على طلب رجل دين مسيحي، لتمثيل الشارع المسيحي، وقد انضم إلى هذه الكتلة لتنوعها الفكري والديني، لافتاً إلى أنه (يتفق مع مرشحي قائمته في خدمة المواطنين، ولكنه تحت قبة المجلس سيتبنى دوماً وجهة نظره الشخصية). وأن (لدي حصانة بصفتي قنصلاً فخرياً للبرازيل في سوريا، ولدي كذلك سيارة، وكل ما أريده هو خدمة المواطنين فقط).

يعرف د.كردوس الكثير عن مجلس الشعب من خلال (أصدقاء مرضى هم أعضاء في مجلس الشعب)، مؤكداً أن المجلس (تحسن في أدائه في الدورات السابقة وهو ذو مستوى ثقافي عال وأفضل من أيام زمان)، أما بيانه الانتخابي فيتضمن تحقيق الأهداف التالية: (توفير الضمان الصحي ونشر الوعي البيئي وتحقيق الانسجام التام بين مفهوم الصحة العامة وأدواتها ووسائلها وسبل تحقيقها وإصدار التشريعات الناظمة لها، الاهتمام بالمغتربين وتعزيز التواصل بينهم وبين الوطن الأم وتشجيع استثماراتهم وإعادة اللحمة مع أهلهم وذويهم ووطنهم، الاهتمام بالشباب ومتطلباتهم الراهنة والمستقبلية وتوفير فرص العمل لهم واستثمار طاقاتهم الخلاقة في بناء مستقبل أفضل على مختلف الصعد العلمية والاجتماعية والثقافية والرياضية وغيرها من الميادين. الاهتمام الكلي برفع مستوى المعيشة للمواطن مع السعي لحل مشكلة البطالة، العمل من أجل بيئة نظيفة ومعالجة النفايات بشكل علمي ومدروس وتحفيز مؤسسات الدولة مع المنظمات الأهلية لخلق بيئة نظيفة من أجل مجتمع سليم ومعافى).

وحول سبل تحقيق أهدافه في البيان قال د. كردوس: (سأتكلم عن العناوين العريضة التي تضمنها البيان، بشكل متواصل داخل المجلس..). وحول موقفه فيما لو طرح رفع الدعم عن المواطنين سأل بداية عن معنى (الدعم)، وعاد ليجيب: (أفضل أن يبقى الدعم موجوداً، لأن دخل المواطن قليل أو يجب أن يتم خفض الأسعار..).

يجزم المرشح بهاء الدين حسن(نائب سابق) أن البيان الانتخابي لأي مرشح يعتمد على الخط العام للدولة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن بيان انتخابي بمفهوم البيانات المتصارعة التي تعد كل منها المواطن بعدد من الإنجازات، فالجميع في سوريا، من مستقلين أو ممثلي الجبهة الوطنية التقدمية، يعملون على الصعيد الوطني، إلا أن الأستاذ حسن، أكد أن الكلام على هذا النحو لا يعني عدم إيمانه بضرورة وجود بيان انتخابي، فـ(أنا لدي آمال عريضة وأفكار كثيرة أتمنى تحقيقها، يقول الأستاذ بهاء الدين، لقد نلت شرف عضوية مجلس الشعب أربعة أدوار تشريعية، وها أنا اترشح للمرة الخامسة، وفي كل مرة كان بياني الانتخابي يتلخص بحرصي الدائم على ثقة المواطن وعلى تحقيق مصالحه في المجلس، وبالتالي أحرص دوماً على أن يظل بابي مفتوحاً أمام المواطن وأمام مطالبه).

وعن المشاريع والأفكار التي ينوي التقدم بها إلى المجلس في حال فوزه، قال الأستاذ بهاء الدين حسن: (هناك عدة مشاريع وقوانين تلامس مصالح المواطنين سأقدمها إلى المجلس.. منها على سبيل المثال: موضوع شاغلي المحال التجارية "المستأجرين" والذين في حال تم استملاك محالهم لا يعوضون حسب القوانين الحالية، كما سنضع اللمسات مع أخوتي في القائمة على قانون الاستملاك المعدل، ففيه عدد من الفقرات الجائرة بحق المواطنين المستملكة عقاراتهم، كما سنحرص على ألا تكون القوانين الاقتصادية على حساب الحياة الاجتماعية، لذلك سأكون إلى جانب كل قانون اقتصادي يحقق المصلحة الاجتماعية).

وعن موقفه في حال تم طرح قانون لرفع الدعم عن المواطنين، رأى الأستاذ حسن: (إن موضوع الدعم شائك جداً، وأعتقد إنه ليس بمقدور السلطة التنفيذية أو التشريعية الإقدام على هذا الموضوع بسرعة، دون أن تجد الطريقة المناسبة لتعويض المواطنين من أصحاب الدخل المحدود، الذين سيتأثرون من رفع الدعم..وأقول بصراحة يجب ألا نصدر قرارات لرفع الدعم قبل أن نجد الطريق المناسب لإيصال الدعم لكل ذوي الدخل المحدود سواء في القطاع العام أو الخاص،وهناك عدة أساليب وأفكار حول هذا الموضوع سنسعى لتحقيقها في هذا السياق).

وعن تأثير القائمة الانتخابية التي ينتمي إليها عملياً في المجلس في حال فوزها: قال الأستاذ بهاء الدين: (في المجلس يتصرف كل عضو بما يمليه عليه واجبه الوطني وضميره ومعرفته بالأمور الحياتية(. المرشحة الدكتورة أمل محاسن، قالت إنها تعمل ضمن الحقل الأهلي ودخولها المجلس سيتيح لها التواصل أكثر مع الناس وستكون أكثر فاعلية باتخاذ القرار، لافتة إلى أن (العاملين في العمل التطوعي يمتلكون رغبة أكبر بالتغيير، كونهم لا يبحثون عن (برستيج) أو حصانة، وإنما موقعهم يؤهلهم لاتخاذ القرار، وهذا الموضوع لا يدركه إلا من يشتغل في العمل الاهلي).

وعن بيانها الانتخابي قالت د. محاسن إنه يتضمن الدعوة إلى (العمل الجاد من أجل الوطن وتسوية قضاياه العادلة "الجولان" خاصة فيما جاء في البيان الختامي لقمة جامعة الدول العربية "من التضامن العربي" وتعزيز الانتماء للوطن وغرس مفاهيمه خاصة لدى الأطفال من خلال المجتمع، المدارس، الجمعيات الثقافية، ومتابعة الاهتمام بشؤون الأسرة، المرأة، الشباب، الأطفال).

ولا تجد الدكتورة محاسن أن انخراطها الانتخابات ضمن قائمة موحدة، يعني تبنيها الدائم لوجهة نظر كتلتها، وإنما هي ستتبنى ما يحقق دائماً المصلحة الوطنية.

ورداً عن سؤال موقفها من رفع الدعم اعتذرت الدكتورة محاسن بداية، ولكنها عادت وقالت: (قبل أن ترفع الحكومة الدعم، يجب أن تفكر بالمواطن والراتب الذي يتقاضاه.. ودراسة كل مشروع بشكل جدي ومدروس قبل أن يتخذ أي قرار بشأنه).

الدكتور المستشار سامر عبد الغني العطري، حدد أهدافه من دخول مجلس الشعب بـ(دعم الانفتاح الاقتصادي والتعددية الاقتصادية، توفير بيئة مناسبة للاستثمار في قطاعي الإنتاج والخدمات، دعم المشاريع الصغيرة وزيادة إنتاجيتها، المواءمة بين النمو الاقتصادي والنمو السكاني ومخرجات التعليم، تشجيع البحث العلمي والإبداع وحماية الملكية الأدبية، تشجيع الصحافة ووسائل الإعلام الخاصة، الحفاظ على معالم دمشق القديمة، تشجيع السياحة والاهتمام بالمرافق السياحية لتكون سوريا بلداً للثقافة والتواصل الحضاري، التأكيد على حقوق المرأة ورفع بعض مظاهر الغبن والإجحاف عنها، التأكيد على حقوق الطفل وتوفير المقومات الأساسية لطفولة سعيدة، تبني مطالب الشباب والاهتمام بمشكلاتهم وتوفير فرص العمل اللائقة لهم، تشجيع الجمعيات الأهلية وتوفير الدعم المالي والحماية القانونية لها، متابعة تحسين الخدمات الصحية في المدن والأرياف وتوفير الضمان الصحي، ربط الأجور بالأسعار وتوفير شبكة حماية اجتماعية للشيوخ والعجزة وذوي الاحتياجات الخاصة).

والعناوين التي طرحها د. عطري بدت فضفاضة كفاية، لنسأله كيف بوسعه تحقيقها، فأجاب: (لا أدعي أنني قادر على تحقيق كل البنود، كل بند من البنود يحتاج لورشة عمل، ولدي خطة عمل لكل بند من البنود ليس معقولاً أن نطرح شعارات وعناوين تخدع الناس تريد أن نخدمهم في أعرق مؤسسة تشريعية لدينا، أنا موضوعي وشعاري "قليل من الوعود وكثير من العمل" يوضح ذلك، هناك أناس شعاراتهم معاكسة).

وحول أسباب دخوله المجلس رغم إنه في موضع قرار مهم بالدولة (مستشار برئاسة مجلس الوزراء)، قال د. العطري: (لدي رغبة بالعمل بأمور تتعلق بالشأن العام، لدي دوافعي الوطنية الغيرية، ولدي شعور بأنه يمكن أن أغير شيئاً، فالمجلس بحاجة لطاقات شابة ودماء جديدة، وأي إنجاز هو نتيجة حالة تراكمية ويلزمنا الكثير من الوقت لنحقق ما نريد.

مسؤوليتي تحت قبة البرلمان أكبر من مسؤوليتي في مجلس الوزراء وأنا أنذر نفسي براً وبحراً وجواً لخدمة هذا الوطن. لا تعنيني الحصانة وليس لدي أي تجاوزات في حياتي، سمعت فقط أنهم يعطوننا راتب 20000 ليرة فقط والحمد لله أنا من عائلة ميسورة).

وعن موقفه في حال تم طرح قانون لرفع الدعم عن المواطنين، قال د. العطري: (أنا مع دعم أسعار المواد الغذائية أعطي الدعم وأستمر فيه وإذا لم يكن بالمستطاع يجب أن نضيف تعويضات للموظفين، داخل الحكومة يوجد رأيان مع الدعم وضده، أنا مع تأمين مصلحة المواطن وضمن معاني هناك ربط الأجور بالأسعار وسأبذل كل إمكانياتي إذا نجحت لأحقق هذا البند).

لا يمكننا التعليق على أي من الكلام السابق، فكلامنا يبقى رهناً بما تفرزه النتائج الانتخابية وتالياً ما يحققه القائزون في المجلس، إلا أننا قد نوجس خيفة من بعض الأسماء التي لم يمكننا التحدث معها رغم ملاحقتنا لها بأكثر من هاتف، تصوروا أننا كإعلام لم نستطع الوصول إلى بعض المرشحين في أكثر المراحل هم بحاجة الناخبين، فكيف بوسع المواطنين أن يتصلوا بهؤلاء بعد فوزهم.. الأسماء التي ينطبق عليها هذا الكلام كثيرة، ولكننا آثرنا أن نخفيها حتى لا نتهم بالتشويش... وحسبنا الله ثم أصوات الناخبين.