ليست شوارع بغداد.. إنها جسدي وقلبي، وربما قدرتي على الدخول إلى مساحة الذكرى والدموع، فما كان قبل أربع سنوات ليس لونا جديدا في حياتي، لأني اعتدت "الاحتلال" و "الاجتياح" وحوادث الاغتصاب الجماعي.

في بغداد تعرفت على صورتي من جديد، فكنت أكتب ما يمكن ان يعيدني إلى الحياة، وشعرت فجأة أننا ضيعنا أربعة عقود، لم أعشها، لكنني عرفتها بالحدس.. أهدرنا الحلم الذي أعادنا باتجاه حيوية البقاء، واكتفينا بكتابة السياسة على أنها جملا وأفكارا فقط، ونسينا عشق نزار قباني وتذكرنا فقط "كتاباته الممنوعة".. ونعيد اليوم الصورة الأخيرة التي بقيت لنا من ذاكرة أجيال ترحل تدريجيا لكننا لا نرى سوى خيبتها...

في سقوط بغداد سقوط لنفسي.. لكل المفاهيم التي علقها المجتمع على جسدي، ولكل الأفكار التي دخلت إليها ولم أعرف الخروج منها لأنها رسمت الحياة متاهاة تشبه مدن "الملاهي" التي يتسلى بها الأطفال.. فهل كنا أطفالا نبحث عن متعة سريعة...

وعندما كنت أشاهد بغداد وهي تلفظ أنفاس مرحلة ماضية أدركت أن الزمن سيخلط كل شيء، فأصبح باحثة عن الماضي بينما اعتدت أن اتجه نحو المستقبل... لكن كل هذا الخلط لم يستمر سوى لحظات.. فالعراق ليست جغرافية تائهة، والعراقيون.. العراقيات... هم رغبة الاستمرار في الحياة، وهم ايضا الصورة التي رافقتني طوال حياتي عن القسوة التي تعجز عن تصفية الصورة الحقيقية لامتداد الحضارة من بابل حتى اليوم.

عرفت العراق وعرفت نفسي.. وسقطت بغداد لكن المسألة أعمق من انهيار "دفاعات" عاصمة دخلت التاريخ قبل ظهور "النظام العالمي الجديد".. وربما قبل أن تصبح السياسة هاجسا يجتاح الجميع، لأن الحلم الأول لبلاد الرافدين كان ملامح الحضارة، والقدرة على احتمال "القدر" الذي أوجدهم في مساحة الصراع الدائم.

أهوى بغداد في كل لحظة.. وأعشقها لأنها ترسمني مع كل ثانية ترحل، فالموت الذي يحاصرها سيعيدني ويعيدها إلى مراحل العشق الأولى، وإلى الزمن الذي أوجدها فبقيت لأنها وجدت لتبقى... بغداد بعد أربع سنوات صورة لنفسي.. للمجتمع... لرغبتنا في الحياة والبقاء.