ان شعبا يموت فيه الاحساس بالكرامة الوطنية الجامعة الموحدة هو شعب لا يستحق الحياة في وطن ‏حر سيّد كريم. لا بل ليس بمقدوره ان يحافظ على هويته الوطنية اساس الوجود السياسي الذي ‏يفرض الاحترام الدوّلي.فما حصل في الرياض منذ ايام، كان ينبغي ان يستأهل انتفاضة جمية وطنية محض وطنية بمنأى ‏عن السياسة المتداولة وما اليها. ‏فرئيس الدولة طالما هو رئيس للدولة فانه يمثل الشعب اللبناني الواحد بكامل طوائفه ‏وفئاته وانتماءاته، اذا هو يمثل كرامة الوطن، وهذه الكرامة جرحت في الصميم، فرئيس ‏الدولة التي رفعت رأس العرب بمقاومالباسلة التي شكّل وتشكّل مساحة العزّة والعنفوان ‏الوحيدة تاريخ العرب الحديث حتى اشعار آخر، كان يستأهل من خادم الحرمين مساواته بغيره ‏من الملوك والرؤساء العرب. فكم كان مؤسفاً وملفتاً ومريباً ان يتدنّى استثناء، استقبال ‏رئيس لبنان الى رتبة نائب رئيس بلديةائب امير لا اعرف....!!

فان التأكيد الدائم والمبرمج داخلياً وخارجياً على ترسيخ سابقة ان لبنان يستطيع ان يمشي ‏من دون رئيس دولة ماروني، وهذا العزل والتهميش والانتهاك الفظيع لمقام رئاسة الدولة ‏منذ «تظاهرة الطناجر» المذلّة وما قبلها وما بعدها، الذي شارك ويشا فيه الجميع وخاصة ‏ة مسيحيين موارنة، لهو امر خطير، يستوجب التوقف والتبصر واخذ العبر من تجارب التاريخ ‏لئلا نساق جميعاً الى المسلخ فندرك ساعتئذ بعد فوات الالوان الحقيقة المرّة: «أكلت يوم أُكل ‏اخي الثور الاسود».هذا، وكان بعدان انكشف في محطات سابقة بوضوح رتباط المشبوه لفريقي الصراع السلطوي ‏السني والشيعي، وبدا اكيداً ان لكل فريق منهما خارجه، انبرى فريق السلطة السني السياسي ‏تحديداً ليدافع عبثاً عن لبنانيته «متقبّعاً» بالعلم اللبناني الذي راح يفقد هيبته ‏ومعن وبشعارات السيادة والحرية والاستقلال و«لبنان اً» التي استعارها من اللبنانيين ‏المسيحيين ليهمشهم باسمها مرّة جديدة وتحت غطائها، كما همّشهم تماماً زمن الوصاية السورية، ‏ولكن بشعارات اخرى كانت رائجة وذات صلاحية في ذلك الزمان.وتوهّم بعض هذا الفريق السنّي السياسي ان الدول رهن مشيئته ورغباته ظناً منه ان تعداده الدائم للعمالة والسير برغبات الدول ومصالحها الى آخر الشّوط قد يمنحه السلطة ‏والغلبة في الداخل، وان رياح الدول ومصالحها تجري دائماً بحسب مشتهى سفنه.لكن الرياح الدولية بدأت، او تكاد تغيّر وجهة مجراها، فتاهت او تكاد سفن هؤلاء في محيط ‏مضطرب لا استقرافيه.

وهذه بديهيات، فمن لا يملك، او ليس له ان يملك مشروعاً لبنانياً، ‏بل مشروعا طائفياً، ينسجم مع جوهر طبيعته، يكن مقدراً له هذا المصير المحتوم، شاء ذلك ‏لم يشأ.‏مصيره المحتوم، هو ان حكمه لا يمكن ان يستوي على ارض صلبة، بل دائماً تنتظره الرمال ‏المتحركةهزّات والبراكين المشتعلة، لا بل وبكل بساطة سيظل «يزحط» على اول قشرة موز ‏تعترضه...ذلك هو لبنان الساحة القاتلة. ولا بدّ من عودة الى الوطن نهائية. ولاجل ذلك فلا بدّ مرة ‏واحدة ونهائية من مواجهة الحقيقة وسبر اغوارها من دون قفازات ولا اقنعة ولا محاورة ولا ‏ورة.. ولا تكاذب. وايضاً بقرار التخلّي عن ممارسة التقيّة والباطنية والمرحلي التكتي ‏الظاهر، والاهداف النهائية المبطنة ريثما تنضج الظروف المؤاتية، وما الى ذلك مما سئمناه، ‏ولم يعد يجدي. فلا بدّ ان نسقط كل المراهنات، وان ينبري اللبنانيون لحفلة مكاشفة ومصارح‏وشفافية، وبكل جرأة بالتأكيدفعندما نتحدث عن لبنان الوطن، نتحدث عن وطن مؤسس قائم وموجود، ومعترف به دولياً، وله ‏جذور ضاربة في عمق الزمن.‏اي لبنان نريد؟ سؤال كبير يطرح. ولكن أليس الاجدى ان نقول: ان لبنان هو لبنان. ‏فتعالوا لنبحث في ماهية هذا الكيان من حييعة مكوناته، ونتفق على انه نهائي. لنبحث ‏في ماهيّة هذا اللبنان الذي لا يكون الا نفسه.

فمن يرد تدمير الكيان القائم ليؤسس فيحكم ‏وطناً ، فليبحث عنه في مكان آخر.‏ ففي سياق النقاش الهادئ والموضوعي، ارى انّ لبنان الوطن لا يُحكم حكماً مستقراً ونهائياً، ‏سوى دلة: مسلم علماني، ومسيحي قومي عربي معاد لإسرائيل.‏فثمة مكونات أساسية أوليّة ليس بمقدورها ان تتغيّر لأنها جوهريّة، وهي:‏ إن لبنان الكيان المؤسس هو وطن علماني، لا دين رسميّا للدوّلة فيه، وليس بإمكانه ان يكون ‏غير علمانيّ. هذه هي الثابتة الجوهرية الأولى، و كانت وستبقى حجر الزاوية الأساس لنشوء ‏الوطن حيث نشأ، ولا يمكن له ان يتحول فيفقد ذاته.اما الثابتة الثانية أو المكوّن الجوهري الثاني غير القابل أيضا للتحول والاّ فقد الكيان ‏ومعه الوطن، فهو أن «لبنان أصغر من ان يقسّم، وأكبر من أن يبتلع».‏من هاتين المكوّن الجوهريتين، نخلص الى مناقشة السؤال الكبير: من يحكم لبنان؟ ومن هو المؤهّل ‏بحسب طبيعته الأساسية وتاريخه وتجاربه وتراثه لحكم وطن الأرز المختلف والمميّز؟ لننطلق من الركيزة المحوريّة أي العقيدة الدينية لنقول:‏ هل يمكن لغير المسيحي في لبنان ان يكون علمانيا لود لبنان العلماني؟

هذا التساؤل متروك للشريك المسلم في لبنان للإجابة الواضحة والصريحة عليه.‏ أما الدين المسيحي فهو دين علماني بامتياز حتى أنه لا يكون مسيحيا من هو غير علماني. ‏وذلك انطلاقا من قول السيّد المسيح: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه، والى ما هنالك ‏من الأقواللأفعال التي تتركّز جميعها على مقولة: «ان ملكوتي في السماء». فتأسيسا علذلك يأتي التأكيد ان المسيح نفسه قد فصل الدين عن الدولة فصلا قاطعا شاملا ونهائيا، وهو ‏ما شكّل لثابتة الكيانية التأسيسية للدّين المسيحي.‏ومن هنا لم يجد المسيحي في لبنان مشكلة في ان يرفععار «لبنان أوّلا وأخيرا» ويمارسه حقيقة ‏وبالفعل، ويبقى منسجما مع دينه وعقيدته.‏وحتى حصول الاجتهاد او الموقف الشرعي الحاسم من هذا الامر، فإن السائد والمعروف هما ان ‏الإسلام بحسب طبيعته هو ديني دنيوي، دين ودولة مترابطان ترابطا عضويا جوهريا. فمن هنا ‏ومنط وحتى إشعار آخر، لا يجوز للمسلم ان يكون علمانيا، بمعنى ان يقول بفصل الدين عنلدولة، ويبقى مسلما.

وتاليا ففي سياق المنطق نفسه ما من زعيم مسلم يمكنه ان يقول ‏‏«لبنان اولا» بمعنى انه مسلم ثانيا، ويبقى منسجما مع عقيدته الدينية التي تفرض الترابط ‏الجوهري بين ين والدولةوإذا كان الإسلام اولا في لبنان. فهذا يقود ومن البديهي ان يقود آجلا ام عاجلا الى مقولة: ‏‏«لا يولّى عليكم الاّ من دينكم»، فيتحوّل الشركاء المسيحيون حكما والحال هذه الى التهميش ‏والإبعاد عن شؤون الحكم والسلطة (وقد بدأت بوضوح تباشير ذلك تلوح على ر من صع.‏ هذا بالنسبة الى المكوّن الأول: الوطن العلماني القدري الذي يمكن ان يحققه طبيعيا من دون ‏موانع دينية شرعية، المسيحيون ولربما وحدهم حتى يثبت العكس في دولة مشاركة حقيقية لجميع ‏الطوائف الثماني عشرة التي يتكون منها لبنان.وأما بالنسبة الى المكوّن الري الثاني: «لبنان اصغر من ان يقسّم وأكبر من ان يبتلع» اي ‏لبنان الواحد المستقل السيّد الحر. فإن لبنان الواحد والنهائي الأبدي السرمدي، هل يمكن ‏ان يكون كذلك بغير قيادة مسيحية ووطنية تحديدا بمعنى أنها معادية لدولة إسرائيل كونهأوّلا ‏وأساسا دولة دينيّة أحاة تتناقض مع وجود دولة علمانية تعددية بجانبها ؟؟ للجواب عن هذا التساؤل، لا بدّ من ايراد استيضاحين :‏

‏1- ان لبنان مسلما (بقيادة اسلامية) في ما هو الاسلام دين ودولة، هل يسمح بموجب العقيدة ‏الدينية الاسلامية بوجود شريك كامل للقيادة الاسلامية في الحكم من غيين الاسلام، يتساوى ‏مع هذه القيادة في الحكم والسلطةحتى الان، ومن خلال جميع الانظمة القائمة في الدول العربية والاسلامية، وحتى التي تقول ‏بالعلمانية منها (العراق وسوريا)، لا نرى هذه المشاركة الكاملة قائمة، ما يؤدي حتما ‏وبديهيا الى خوف المسيحيين وجنوحهم مين نحو التقسيم والفدرالية (وهو ما بدأت تباشيره ‏ة تطرح في الاوساط المسيحية)، والوقوع في حضن الشيطان اي شيطان كان، جار شقيق او جار ‏عدو.‏‏2- ان لبنان مسلما (بقيادة اسلامية)، وخاصة في ظل هذا المناخ الشرق اوسطي الجديد الذي ‏نعيش، الا يفرض حتما الوقوع في اي مسلم؟ اي مذهب؟ ما يقود الى صراع مذهبي سني ‏شيعي، يبدأ ولا يعود ينتهي ما يؤدي الى التقسيم والشرذمة فالتفتت والزوالاما لبنان المستقل السيد الحر، فهل يكون كذلك بغير قيادة مسيحية؟ هنا يطرح تساؤلان :‏ ‏1- ان لبنان المحكوم دينيااسلاميا، الا يسهل ضمه وابتلاعه من قبل احد جاريه سوريا ‏واسرائيل او اثنينهما معا ...؟؟في حين ان لبنان المسيحي، وان ابتلع فلا يسهل هضمه.‏ ‏2- ان لبنان المحكوم دينيا اسلاميا، هل يمكن لمرجعيته الدينية السياسيةان تكون حكما ‏وبإلزام شرعي في مكان آخر، وهذا بديهي، فالمرجعيات الدينية الاسلامية الكبرى ليست في ‏لبنان. فسيكون مصير هذا البلد محكوما بالوصاية الخارجية والدوران في فلك هذه الدول حتتمركز المرجعية الدينية السنية، او «الولي الفقيه» الشيعي. وسيكون صعبا على هذ‏اللبنان بل مستحيلا ان يلتزم الحياد الايجابي عن الصراعات العربية العربية، والعربية ‏الاسلامية، ما يجعله مساحة دائمة لهذه الدول. وما يحصل اليوم ما هو الا مؤشر واضح لذلك.

من كل ما تقدم، لا بدّ من عودة على بدء، على مبرر وجود هذا الكيان. فلبنان تأسس سيدا ‏مسا حرا ديموقراطيا، لان تركيبته تتميز بوجود الطوائف المسيحية ولا سيما الموارنة.‏من هنا ميزته التعددية الفريدة التي تفرض مناخ الحرية والسيادية والاستقلالية التي يتفرد ‏بها هذا الوطن.‏ففي وسط ثلاثة وعشرين كيانا سياسيا، دين الدولة فيها هو الاسلام، فلا بد من ة ‏علمانية بقيادة مارونية، بعض دورها وعلة وجودها الآتي :‏‏1- انها تؤمن شيئا من التوازن السياسي والاجتماعي والديموغرافي في هذا الشرق.‏‏2- انها تشكل رسالة عالمية للعيش المشترك الواحد.‏‏3- انها بوابة التواصل الفضلى بين شرق وغرب.‏‏4- انها مساحة سلام و ايجابي بناء في شرق اوسط مضطرب منقسم على ذاته مذهبيا ‏وقوميا.‏5- انها مساحة فكر منفتح خلاق متحرر من العقد الدينية ومسلمات العقل الديني، ما يسمح ‏بمواكبة الحضارة العالمية القائمة اساسا على العقل العلمي، ومجرياته.واما بعد، فعندما ترغب اميركا والغرب الدائر فلكها في التلاعب بهذا الكيان ومكوناته ‏التأسيسية وتغيير قيادته، يجب الا يكون ذلك امرا مطمئنا للمسلمين في لبنان، بل مخيفا لهم ‏قبل غيرهم، لان النية الاكيدة تكون الغاء هذا الوطن بكل مكوناته وطوائفه وجماعاته.

‏طائفة المارونية، وعباءة بكركي بالذات كما يشهدريخها، هي الضمانة ودرع الحماية ‏الدائمة للمسلمين قبل المسيحيين وللوطن اللبناني. والدولة بقيادة مارونية في ما هي ‏وطنية علمانية تستطيع ان تضمن حقوق جميع الطوائف وعلى قدم المساواة، ويستطيع رئيسها ‏ان يقوم بدالحكم العادل والراعي الوطني الصالح الذي يسهر علىيير شؤون الدولة وفقا ‏لما ينسجم مع روح الصيغة اللبنانية ودستورها الناظم والضامن الاول لهذه الحقوق، بلا حاجة ‏كل حين لعباءة خارجية نلتقي تحتها لنتوافق بعد كل حفلة مهارشة عبثية يدفع اليها ‏ويديرها الخارج مصالحه ورغباته.‏ نحن في لبنان اليوم، واكثر من اي مضى بحاجة الى جرأة استثنائية لمواجهة الحقيقة كما ‏هي، رحمة بأجيالنا لئلا تعيش بلا كيان ولا هوية.‏لبنان لا يحكم بغير قيادة علمانية وطنية، قومية عربية معادية لاسرائيل، هذا هو قدر ‏لبنان، يكون كذلك او لا يكون