إنها ليست المرة الأولى في التاريخ التي يتحدى فيها الكونجرس أو رئيس مجلس النواب الرئيس الأمريكي، إن الديمقراطيين يتحدون الرئيس بوش الآن بسبب تدني شعبية الأخير وفشل سياساته في اجتذاب أغلبية الأمريكيين”.

هكذا أوجز “فيل برينر” أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأمريكية بواشنطن في

تصريحات ل “الواشنطن بوست”، المشهد الخلافي الأكبر الذي تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية اليوم في أعقاب زيارة نانسي بيلوسي لسوريا، تلك الزيارة التي رأى البعض أنها أضحت بمثابة القشة التي قصمت ظهر أية محاولة من إدارة بوش للم الشمل بين البيت الأبيض والكونجرس الأمريكي.

يمكن القول إن ما جرى يتخطى بكثير زيارة سياسية أو دبلوماسية بل يعد بالفعل تمردا على أعلى مستوى من قبل السلطة الثالثة في أمريكا بحسب التسلسل الطبيعي لنظام الحكم. فبيلوسي مخولة لحكم البلاد بعد الرئيس ونائبه ومعنى إقدامها على هذه الزيارة هو أنها تضرب بعرض الحائط اعتراضات بوش وصحبه، فالأمر يتجاوز سوريا التي تفضل إدارة بوش ألا تتجاوز المحادثات معها الإطار الأمني والاستخباري لعدم منحها أي مكاسب سياسية ليصل إلى الداخل الأمريكي، وهذا ما نذهب إليه بوصف الأمر انقلابا، فالرسالة المبعوثة للرأي العام الأمريكي الداخلي واضحة تماما وهي أن سياسات بوش قادتنا للفشل وأن سياسة عزل سوريا قد أثبتت عدم جدواها وهو الأمر الذي انسحب على المستنقع الأمريكي في العراق بما يعني أن هناك إرادة لتغيير السياسة الخارجية للبلاد.

وطبقا لتقرير أذاعته شبكة CBC الإخبارية الأمريكية فإن زيارة بيلوسي تعد جزءا من الصراع الذي يحاول فيه كل من البيت الأبيض والكونجرس عض أصابع الطرف الآخر وانتظار من يصرخ أولا، فالرئيس يهدد باللجوء إلى حقه الرئاسي في استخدام الفيتو والكونجرس يشدد على حقه كسلطة تشريعية وهذا ما قد تجلى في تصريح السيناتور هاري ريد رئيس الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الذي ذهب للقول “إن الرئيس ظن أنه ملك ونسي أننا كسلطة تشريعية جزء من الحكومة”.

والمؤكد أن زيارة بيلوسي هي مقدمة لصراع سيشتعل في سماوات واشنطن الأيام القادمة لأكثر من سبب، أولها وأهمها خطط بوش للعراق والموازنات المالية المطلوبة في حين تبقى المواجهة مع إيران هي نقطة الوفاق أو الافتراق الكبرى بين الطرفين وهذا ما يقودنا إلى الحديث عن احتمال وجود خطة خداع استراتيجية أمريكية والتي أشار إليها عدد من المحللين الأمنيين الأمريكيين فماذا عن تلك الخطة؟

في إطار تهيئة مسرح الأحداث للضربة العسكرية القادمة لابد من حصار إيران بشكل مطلق من خلال حرمانها من أي حليف محتمل وهنا تأتي سوريا في المقدمة وهو ما أشارت إليه بيلوسي صراحة من خلال قولها: “إن الهدف من هذه الرحلة هو جزء من مسؤوليتنا تجاه الأمن القومي للولايات المتحدة”.

وإذا كان حديث التوقف عن دعم حماس وبقية الفصائل الفلسطينية المقيمة في سوريا، إضافة إلى وقف تدفق المتمردين إلى العراق، طلبا من ضمن طلبات بيلوسي إلى الرئيس الأسد فإن فك الارتباط مع إيران هو الجانب الأهم الذي طلبته بيلوسي من سوريا تهيئة للمعركة القادمة.

وهنا يلاحظ المرء أن بيلوسي لم تذهب لتأخذ فقط بل لتعطي ولم تذهب خالية الوفاض فقد حملت معها وللمرة الأولى منذ توقف مباحثات السلام بين “إسرائيل” وسوريا عام 2000 رسالة من رئيس الوزراء “الإسرائيلي” إيهود أولمرت تفيد بأن “إسرائيل” مستعدة لإجراء محادثات سلام.. فهل هذه هي الصفقة التي يجري الإعداد لها في الخفاء بين الطرفين لا سيما أن الرد السوري جاء مبديا نفس الاستعداد لاستئناف مسيرة السلام؟

وسواء كان الأمر يقع في دائرة خطة الخداع أو الانقلاب الداخلي، فإنه يحق لكل من جيمس بيكر ولي هاملتون أن يتبسما في أعقاب زيارة بيلوسي انطلاقا من انسجامها مع توصيات تقريريهما واعترافا بأن لسوريا دورا فاعلا في المنطقة وأن سياسة استبعادها أثبتت عدم فاعليتها، فسوريا مستعدة للتعاون في إعادة الاستقرار للعراق ومن مصلحتها الاستراتيجية الحفاظ على وحدة العراق الذي يوشك أن يتفكك، وهناك مصلحة لسوريا في مساعدة الولايات المتحدة للانسحاب الآمن، فعلى حد تعبير السفير الأمريكي في واشنطن الدكتور عماد مصطفى فإن سوريا لن تكون سعيدة أو آمنة بانتقال الأمريكيين من أمريكا الشمالية ليصبحوا جيرانا لسوريا، أضف إلى ذلك أن حربا أهلية في العراق ستؤثر في استقرار الداخل السوري وقبل هذا وبعده فإن لسوريا دورا بالغ الأهمية في التأثير المعنوي على جماعات فلسطينية متعددة أولها وأهمها حماس، ناهيك عن علاقتها بلبنان الذي لابد من الخلاص من خلافاته الداخلية والتي يعمل فيها حزب الله، بحسب المفهوم الأمريكي كجيب، من جيوب إيران التي يمكن أن تسبب ل “إسرائيل” إزعاجا كبيرا حال القارعة.

والشاهد أن فلسفة زيارة بيلوسي تتخطى في واقع الأمر الإعداد الخارجي لمعركة حربية لتصل بالأمريكيين إلى معركة رئاسية أمريكية داخلية انطلقت بالفعل، فالديمقراطيون الذين خسروا مقعد الرئاسة لفترتين متتاليتين يتطلعون بعد سيطرتهم على الكونجرس للفوز بالرئاسة القادمة وفي طريقهم لذلك عليهم تفعيل عدة أمور أولها محاولة إقناع الرأي العالم الأمريكي بجدوى تحركاتهم السياسية الخارجية على الصعيد العالمي وإعادة التذكير بأن الإدارات الديمقراطية السابقة، منها من نجح بالفعل مثل جيمي كارتر في توقيع معاهدة سلام، تنهي فصلا من فصول الصراع العربي “الإسرائيلي” الذي قال الخبراء إنه كان سببا متقدما من بين الأسباب التي قادت يوما إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهذا ما عنته بيلوسي بمحاربة الإرهاب عبر سوريا، ومنهم من كاد يقترب من تسوية نهائية بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين” مثل بيل كلينتون في نهاية ولايته فيما الأمر الآخر هو تكريس الصورة النمطية السلبية لإدارة بوش وإلقاء المزيد من الأضواء على القصور الشديد الذي شاب المعالجات الرئاسية الجمهورية للعديد من ملفات السياسة الخارجية الأمريكية والتي كذبت على الأمريكيين في أسباب الغزو العراقي وفشلت مشروعاتها في نشر الديمقراطية أو الحرية في الشرق الأوسط وجميعها تقود للبحث عن رئيس ديمقراطي جديد ينتشل أمريكا من وهدة الجحيم الديمقراطي الحالي.

والحاصل أنه قد يكون من المبكر الحديث عن تبعات واستحقاقات زيارة بيلوسي لسوريا غير أنها تؤكد شيئا واحدا وهو أن الطوق قد انكسر عن رقبة سوريا وأن هناك بداية لعلاقة جديدة بين البلدين حتى وإن كان منشؤها براجماتيا أمريكيا على المدى القصير

مصادر
الخليج (الإمارات العربية المتحدة)