إسرائيل حائرة. مثلها أمريكا. سبب الحيرة سوريا. هل تراها تردّ، بل تبادر إلى الهجوم إذا ضربت “إسرائيل” إيران؟

ثمة اعتبارات شتى تكتنف الإجابة عن هذا السؤال، أبرزها اثنان: الأول يتعلق بالحاضر والثاني بالمستقبل.

في الحاضر، ثمة اتفاق دفاعي بين سوريا وإيران جرى توقيعه منتصف يونيو/ حزيران ،2006 ويتردد في الوسط العسكري “الإسرائيلي” صحيفة “يديعوت احرنوت” (8/4/2007) أنه جرى ترفيعه إلى مستوى معاهدة عسكرية تعزز متطلبات التحالف والدفاع المشترك بين البلدين.

في استشراف تحديات المستقبل، تتحسب القيادة السورية العليا لمخاطر استفراد الولايات المتحدة و”إسرائيل” بإيران ولمحاولتهما الرامية إلى ضربها وتحجيمها، وانعكاس ذلك كله على العرب عموماً، وعلى سوريا خصوصاً. ذلك أن ضرب إيران وإضعافها وتحجيمها يؤدي إلى تعرية سوريا من حليف إقليمي وازن، ويهدد نظامها ليس بتغيير سلوكيته فحسب، بل بتغييره برمته أيضاً.

هذا الخطر الماثل تدركه دمشق وتتحسب له. ولعلها قررت، نتيجة تحسبها وحساباتها، أن مصلحتها العليا تملي عليها أن تكون وطهران معاً في مواجهة أمريكا و”إسرائيل”، سياسياً وعسكرياً، بصرف النظر عمّن تختاره “إسرائيل” ليكون هدف ضربتها الأولى. بعبارة أخرى، ستخوض سوريا الحرب حتى لو قامت “إسرائيل” بضرب إيران والإيحاء بأنها لا تنوي إيذاء سوريا.

في حوار الإرادات المتصارعة بين “إسرائيل” وسوريا، تدرك الأولى هواجس الثانية ومخاوفها. لذلك تحاول طمأنتها سراً وعلناً. قبل أسبوعين حذّر الجنرال عاموس يادلين، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش “الإسرائيلي”، حكومته في معرض تطمين سوريا من أن الحرب قد تقع بين الطرفين نتيجة لخطأ في قراءة الواقع. ما الواقع في رأي يادلين؟ الواقع أن تحركات “إسرائيل” العسكرية غير العادية في الجولان ليس هدفها الاستعداد لمهاجمة سوريا، بل هي مجرد تدابير احترازية رداً على استعدادات سوريا وحزب الله لمواجهة احتمال نشوب حرب تشنها أمريكا ضد إيران.

“إسرائيل”، إذاً، تدرك جيداً أن سوريا تقوم باستعدادات ملحوظة تحسباً لضربة محتملة قد تسددها أمريكا لإيران، وأن ردة فعلها ستتناول، على ما يبدو، “إسرائيل”.

شواهد متعددة يتداولها مسؤولون في الوسط العسكري “الإسرائيلي” عبر الصحافة للتدليل على اعتزام سوريا مهاجمة “إسرائيل” في حال تعرّضت إيران لضربة أمريكية:

* يقولون إن سوريا اعتبرت نفسها منتصرة مع حزب الله نتيجة عجز “إسرائيل” عن تنفيذ أهدافها في حرب الصيف الماضي، لدرجة أن الرئيس السوري بشار الأسد لم يتوانَ، في ذروة نشوته، عن قوله إن لسوريا “خيارات أخرى” لاستعادة هضبة الجولان. ثم إن القيادة السورية ترسملت على تجربة حزب الله القتالية فأعادت تشكيل وتدريب وتوجيه مغاوير الجيش السوري ووحداته الخاصة على نحوٍ يمكّنهم من مواجهة “إسرائيل” ميدانياً، مثلما فعل مقاتلو حزب الله في الحرب الأخيرة وأبلوا بلاءً حسناً.

* امتلاك سوريا قدرة واضحة على إنتاج صواريخ فاعلة للمدى القصير والمتوسط، بدليل أن كل الصواريخ التي أطلقها حزب الله على “إسرائيل” في الحرب الأخيرة كان من صنعها. هذا بالإضافة الى نجاح سوريا في تطوير صواريخ أخرى أبعد مدى، إلى جانب صواريخ أكثر فعالية للمدى البعيد زودتها بها إيران.

* إن روسيا قامت بتزويد سوريا بأسلحة متطورة للدفاع الجوي ما حمل دمشق على توجيه رسالة تهديد ل”إسرائيل” مفادها: إذا واصل الطيران الحربي “الإسرائيلي” تحليقه فوق القصر الرئاسي السوري في القرداحة واختراق جدار الصوت بقصد التهويل والتخويف فإننا لن نضبط أنفسنا كما فعلنا في الماضي. ويتردد في الوسط العسكري “الإسرائيلي” أن دمشق ما كانت لتجرؤ على إرسال مثل هذا التهديد لولا وثوقها من قدرتها على الردّ بفضل أسلحتها الجديدة المتقدمة للدفاع الجوي.

* امتلاك سوريا صواريخ “قادرة على إصابة كل نقطة في “إسرائيل””، كما جاء في تحقيق لأليكس فيشمان المراسل العسكري لصحيفة “يديعوت احرنوت”، وبالاستناد إلى دراسة أعدها يفتاح شفير الباحث في مركز دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب. ويتحصل من تحليلات ومعلومات فيشمان وشفير أن القدرات العسكرية السورية تعاظمت في السنة الأخيرة في ثلاثة مستويات، اثنان منها يركّزان على تعزيز قدرة الامتصاص للهجمات “الإسرائيلية” المحتملة جواً وبراً، والثالث يسعى إلى تحسين القدرة الردعية من خلال تعزيز منظومة الصواريخ البالستية طويلة المدى.

* عودة روسيا، في ظل قيادة فلاديمير بوتين، الى لعب دورها التقليدي في الشرق الأوسط، كما في العهد السوفييتي، من حيث كبح التأثير والنفوذ الأمريكيين. دلالةُ ذلك وفود سورية تزور موسكو بوتيرة أعلى ومتصاعدة، ومبيعات الأسلحة المتطورة، وحرص المسؤولين الروس على الإعلان عن هجمة أمريكية عالية الاحتمال ليس على إيران فحسب، بل ضد سوريا أيضا.

هذا ما يتردد في موسكو وقبلها في تل أبيب، فماذا عساها تكون انعكاسات الصدام العسكري الذي يبدو وشيكاً على لبنان؟

حزب الله وحلفاؤه في المعارضة اللبنانية يتهمون الفريق الحاكم بأنه يراهن على ضربة أمريكية لإيران، وربما على أخرى “إسرائيلية” لسوريا، تنقلب جراءهما موازين القوى الإقليمية واللبنانية لمصلحة قوى 14 آذار الحاكمة. زعماء هذه القوى لم يبذلوا جهداً للردّ على اتهامات قادة المعارضة، ربما لأن لا دور ميدانياً مباشراً لتنظيماتهم في الحرب المرتقبة بعد نشوبها. غير أن سؤالاً ينهض في هذا السياق هو: كيف سيتصرف حزب الله، وهل يخوض الحرب إلى جانب سوريا؟

إن الجواب يتوقف على اعتبارات عدّة أهمها ما إذا كانت “إسرائيل” في مبادرتها إلى ضرب سوريا أو في سياق الردّ عليها ستهاجم حزب الله أو ستستخدم الأراضي اللبنانية في عملياتها الحربية ضد سوريا.

ما من شك في أن حزب الله سيخوض الحرب ضد “إسرائيل” في حال هاجمته مباشرةً أو استخدمت الأراضي اللبنانية للهجوم على سوريا وذلك تحوطا واستدراكاً كي لا ينطبق عليه في حال نجحت “إسرائيل” لا سمح الله القول المأثور: أكلت يوم أكل الثور الأبيض. لكن، ماذا لو ضربت أمريكا و”إسرائيل” إيران وامتنعتا عن ضرب سوريا، فهل يتدخل حزب الله؟

إن امتناع أمريكا و”إسرائيل” عن ضرب سوريا، وبالتالي امتناع هذه الأخيرة عن الردّ بعد ضربهما إيران سيؤديان على الأرجح إلى امتناع حزب الله عن الانخراط في الحرب لسببين: أولهما ان امتناع سوريا عن الردّ قد يكون نتيجة اتفاقٍ مع إيران مقتدرة، وثانيهما لأن لا تأثير حاسما لانخراط حزب الله في الحرب إذا كانت سوريا قد بقيت خارجها، فما بالك إذا كانت إيران نفسها قد طلبت إلى سوريا أن تبقى بمنأى عنها ميدانيا؟

لكن، ماذا تراه يفعل حزب الله في الداخل اللبناني إذا ما لمس وسائر قوى المعارضة أن ثمة تحركات سياسية وميدانية يقوم بها الفريق الحاكم في سياق الحرب لتعديل موازين القوى الداخلية لمصلحته؟

لعل الجواب، في هذه المرحلة، سؤال آخر: هل يعقل أن يبقى حزب الله، وسائر قوى المعارضة، مكتوفي اليدين حيال خصوم سياسيين يتربصون بهم ولا يكتمون رغبة متأججة لإزالتهم من الخريطة السياسية؟

مصادر
الخليج (الإمارات العربية المتحدة)