" الاحتفال بالتاسع من نيسان؟ ولكن ماهو 9 نيسان؟ هل من أحد هنا يعرف ماذا حصل في 9 نيسان؟ " جغرافياً , نحن في العراق, في القاعدة الأمريكية المترامية الأطراف التي تدعي " فيكتوري" قرب مطار بغداد. في صالة الاجتماعات لفيلق الفرسان رقم واحد , الفرقة الثانية لمشاة الجيش الأمريكي, واحد من خمسة جنود حاضرين ابتسم. أما الآخرين ومن بينهم الكابتن راندال , الكاهن اللطيف لكنيسة الوحدة, فقد تجمّدوا. ويغضب الكابورال جون أندروسكي ويصيح:" مابالكم يا أولاد ؟ في مثل هذا اليوم , ومن أربع سنوات, أسقطنا نظام صدّام حسين!" آه صحيح, لقد تذكّروا الآن.

ويعتذر الجميع ويطابوا ألاّ يؤخذ ذلك عليهم. فأعمارهم بين ال20 وال22. بعضهم مُِِدّد له مرتين أو ثلاث مرات , ولكن معظمهم لم يكونوا هنا في العام2003. ومن ثمّ , لا شيء يذكّر بهذا النصر , الذي أعلن بسرعة من قبل جورج بوش " قائدهم الأعلى" , منذ أيار 2003. ثمّ صار طي النسيان.

النصر؟ معظم الذين سألناهم عنه لا يؤمنون به.العالمون قليلاً بخفايا الأمور يقرّون بصوت منخفض:" لقد ارتكبنا بعض الأخطاء, وبلا شك صار الوقت متأخراً, ويمكننا فقط أن نحاول النجاة بأشيائنا. " البعض الآخر يبدي لامبالاته بوضوح قائلاً:" إنه شأن العراقيين, إنه بلدهم."

والكثيرون يتهمون العراقيين بالإساءة إلى بلدهم. " لقد حرّرناهم , وأعطيناهم الديموقراطية, ويفضلون الاقتتال فيما بينهم, يصطفلوا!"

أهلاً بكم في القاعدة , أهلاً بكم في مدينة يسكنها 50000 روح بشرية لم يكن لها وجود قبل أربع أعوام, والقاعدة تحيط اليوم عملياً بمنطقة المطار. المدينة مغبرّة , ولكنها مرتبّة ترتيباً كاملاً وراء مئات الكيلومترات من الجدران المقاومة للقنابل التي تمتدّ في كل مكان في الممرات , في تجمعات الخيام المكيفة الهواء, في منطقة المكاتب, الورش, صالات الاجتماعات, الخ... ومع منشآتها المسبقة الصنع.وطرقاتها وأحياءها المستقيمة ومقاهي الأنترنت والبيتزاهت والبرجر كنغ, أصبحت القاعدة شبيهة بقطعة ليغو ضخمة. وللقاعدة ثلاثة حكام ورؤساء بلديات بأزياء رسمية وآلاف الخدم الهنود والعراقيين المدعوين بيافطات ضخمة إلى " عدم اقتناء الهواتف المتنقّلة أو أي أجهزة الكترونية". وينصح السكان الأمريكيون الساكنون في القاعدة بعدم مخالفة النظام تحت أي ظرف خشية الأخطار التي تحيط بالقاعدة. وهكذا أصبحت " فيكتوري بيز" كوكب لوحده. تقع فقط على بعد 15 كم من بغداد, ولكنها تبعد سنين ضوءية عن القتل والبؤس والفوضى السائدة هناك, في العالم الآخر, أي " المنطقة الحمراء" التي لن يراها معظم "أولادها" سوى على شاشة الكونترول لآلة عسكرية أو عبر نظّارة البندقية م 16.

الجنرال قاسم عطا الموسوي هو شاب بشارب, نحيف وباسم. إنه الناطق الرسمي العراقي لعملية " إعادة النظام" , التي بدأت في بغداد يوم 14 شباط وغايتها حفظ الأمن لعشرات الأحياء التي مسّها العنف بشكل خاص, بزرع دوريات مشتركة عراقية وأمريكية .

في ليلة 9 نيسان, في أحد المكاتب من الكوكب الآخر المدعو " المنطقة الخضراء" وهو ليس معصوماً بما أنه هوجم بقذائف المورتير وأسلحة أخرى , وست مرات خلال الأيام السبعة الأخيرة من شهر آذار, أخبرنا الجنرال بأحدث المستجدّات. نقاط الإعلام المنظمة تخبر أحياناً عن الصراع الدائر أكثر من تصريحات الشعر الغنائي.

وهكذا بلباسه المموّه وقبعته السوداء وأسنانه الناصعة البياض كما ممثلي الإعلانات, يعطينا العسكري أخبار الحرب بلهجة مهذبة ورسمية قلّما تستعمل في فيكتوري بيز.

" تنفيذاً للتعليمات, قامت قواتنا المسلّحة بحملة يوم 6 نيسان, على بيت السيد النائب محمد خلف العيلان. وصادرنا 33 بندقية كلاشينكوف, ورشّاشين, بندقية إسرائيلية, 3 مسدسات و2 كغ من مادة الـت ن ت المتفجّرة وذخيرة عسكرية بكميات كبيرة. وأوقفنا 12 شخص كانوا موجودين في المنزل." هذا ماشرحه الجنرال. لم يكن النائب موجوداً. ومن حينها اختفى. كانت عملية كبيرة تناولتها الصحف المحلية بإسهاب. فالمدعو عضو من جبهة الوفاق, التنظيم السياسي السني الذي يتهمه كثيراً من الشيعة باقتراف جرائم ضد الثواّر.

ويعود الجنرال الباسم للقول :" منذ 27 آذار, قتل رجالنا 27 إرهابياً. وقبضوا على 232 آخرين وأوقفوا 436 مشتبهاً به, بفضل يلاغات المواطنين الصالحين. وأثناء عمليات التمشيط في أحياء العراق, تمكنّا من تحرير 26 شخصاً مختطفاً. وصادرنا 518 سلاحاً مختلفاً, 118 متفجّرة, 10 مركبات مفخّخة من بينها موتوسيكلين, 75 مفجّر, 256 كغ من ال ت ن ت", وكلّها أنواع يستخدمها الثوّار السنة وبعض الميليشيات الشيعية.

وحول الطاولة, بمواجهة الجنرال, يتذمّر أحد الصحافيين العراقيين. ويسأل :" في الحي المركزي من الكرخ , في وسط المدين وحده , قتل 15 صحفي. ماهي الإجراءات التي اتخذتموها لحمايتنا؟". وياتي الجواب:" نحن نسعى لحماية الجميع, ولكن أمامنا عمل كبير لنعيد الأمن إلى بغداد."

ويسأل صحفي آخر:" كثير من أحياء المدينة الجنوبية تتعرض للقصف كل يوم بالمورتير, لماذا لستم حاضرين هناك؟" المناطق المقصودة هي الأحياء السنيّة والجنرال شيعي. وقد فهم الأخير مغزى السؤال, لكنه احتفظ بابتسامته وأجاب:" الصبر, الصبر. لقد بدأنا فقط من سبع أسابيع, وهاهو الغزالية (حي في غرب العاصمة) قد أصبح أكثر هدوءاً من ذي قبل."

باتريس كلود