من الصعب البقاء في مساحة من البراءة المطلقة التي تفرضها بعض التصريحات او التحركات السياسية، فعندما تعتبر "القاعدة" أن مهمتها اليوم تقليص "النفوذ الإيراني"، فإننا بلا شك نمتلك مؤشرا على أن حدود الأزمات أصبح محصورا في الشرق الأوسط. والأمر يتجاوز تصريحات القاعدة، فالتحرك بـ"الملفات النووية" يسير بسرعة كبيرة، حيث أصبحت المفاعلات "السلمية" الهم الوحيد لكل حكومات الشرق الأوسط بدء من الأردن وانتهاء بدول الخليج، وهذا السعي لامتلاك الطاقة النووية انفجر فجأة مع أزمة الملف النووي الإيراني.

ما يحصل اليوم هو افتعال صراع يذكرنا بزمن حرب الخليج الأولى، عدما أصبحت القضية الأساسية الحرب ضد "السوفييت" في أفغانستان، والحرب ضد طهران كي لا "تصدر" الثورة إلى الخارج، لكن هذا الزمن يعود بشكل آخر ويحاول أشعال أكثر من حرب في جغرافية الشرق الأوسط عموما، لأن مسألة "النفوذ الإيراني" واهتمام القاعدة بها، ثم انتشار الاهتمام بالتقنية النووية، امران لا ينحصران ضمن نطاق واحد، فالتشتيت الذي يمكن أن يخلفه هذا النوع من التنافس او الصراع أكبر بكثير مما انتجته "حرب الخليج الأولى"، أو القتال بين "المجاهدين" والقوات السوفياتية في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي.

وما يقدمه اهتمام القاعدة بالنفوذ الإيراني، أو الرغبة المفاجئة للدول الشرق أوسطية بامتلاك التقنية النووية، يوحي بأننا أمام خارطة صراع جديدة مركبة ومعقدة، وأن طبيعة المحاور التي اعتدنا على استخدامها منذ "حلف بغداد" لم تعد قاعدة لأي رؤية جديدة، لأن الاستراتيجية الدولية استطاعت بالفعل أن ترسم خارطة اجتماعية، مع بقاء الخارطة السياسية القديمة على حالها. فإذا كان زمن "حرب الخليج الأولى" أنتج فورة بالتنظيمات المتطرفة، فإن ما يحدث اليوم يحاول نقل التطرف إلى مساحة عامة، ووضع خطوط صراع "افتراضية" داخل المجتمعات. بعد تصريحات القاعدة الأخيرة فإننا لن نقف على مستقبل يقدم "الأفغان العرب" من جديد، فربما نشهد صورة أخرى لتراجع ثقافي عام يكرس صورة "الكهوف والجبال" داخل المدن وفي التفكير الاجتماعي. وما حدث مؤخرا في المغرب والجزائر ينشط الذاكرة باتجاه العنف عندما نحاول عزله عن كافة المعطيات، وهو ما قامت به الحرب ضد الإرهاب بشكلها الأمريكي.

إن خطورة تصريحات القاعدة الأخيرة مرتبطة بالحركة السياسية العامة، وإذا تم الوقوف عندها فقط فإنها تفقد أي معنى أو جدوى، لكنها متزامنة مع ظهور مساحة واسعة داخل الحدث السياسي أو في المعطيات الاستراتيجية الدولية التي تسعى لتحليل الحدث وفق "الإطار" المذهبي ولو افتراضيا. فهل سنشهد زمنا جديدا من "الأفغان العرب"؟!!