كلما ضعف الامن في العراق، ضعفت حجة الرئيس الاميركي جورج بوش أمام الديموقراطيين المطالبين بوضع جدول زمني للانسحاب، وتدنت شعبية الحرب الى مستويات قياسية جديدة بات معها الرئيس مجبراً على القول ان مواطنيه سئموا منها.

وبعدما بلغت التفجيرات الانتحارية "المنطقة الخضراء"، بات أكثر مشروعية التساؤل عن جدوى الخطة الامنية التي تنفذ في بغداد او في منطقة الانبار. وبات ايضاً وضع بوش أكثر حراجة في القول ان نتائج الخطة الامنية تحتاج الى صبر، أو ان ما نفذ منها حتى الان لا يمكن ان يشكل معياراً للحكم على النجاح او الفشل.

اختراق "المنطقة الخضراء" وتزايد الهجمات وأعداد الضحايا خارجها يدعم رأي الديموقراطيين الذين يستخدمون الكونغرس للضغط على بوش لوضع جدول زمني للانسحاب. وكما كان للكونغرس دور رئيسي في حمل الرئيس الاميركي الراحل ريتشارد نيكسون على التعجيل في الانسحاب من فيتنام، فإن يبقى دوره حاسماً اليوم في تقرير وجهة الحرب في العراق.

واذا كان بوش يعيب على الديموقراطيين التلويح بخفض تمويل القوات وهي في الميدان، فإن الكونغرس الذي كان يواجه نيكسون لم يتورع عن اللجوء الى هذه الورقة للضغط على الرئيس وحمله على التعجيل بوقف الحرب. وفي مرحلة يزداد معها سقوط القتلى الاميركيين وتتزايد الكلفة المادية للحرب في العراق، فإن الرأي ترجح لمصلحة الديموقراطيين.

وتكتسب وجهة النظر الديموقراطية مزيداً من الصدقية مع اتساع جبهة القتال في افغانستان في ظل تحسن الطقس، واستعادة "طالبان" مزيداً من النفوذ والقوة في مواجهة القوات الاجنبية. ويتبين من تزايد حجم العمليات، ان الجبهة الافغانية متجهة نحو مزيد من التصعيد الذي تحول حرب استنزاف ضد قوات حلف شمال الاطلسي الذي يقود القوات الدولية هناك. ولذلك ستتحول الجبهة الافغانية قريباً عبئاً ثقيلاً آخر على الاطلسي. وفي باكستان المجاورة تؤشر التطورات الامنية في منطقة القبائل الى عجز الرئيس برويز مشرف عن بسط السلطة المركزية على هذه المنطقة التي تعتبر حصناً مهماً لمقاتلي "طالبان" و"القاعدة". كذلك تثبت المواجهة بين مشرف والقضاء، بعد اقالة رئيس المحكمة العليا، ان الشارع الباكستاني لا يقل احتقاناً عن منطقة القبائل، مما يضع تالياً مستقبل النظام الباكستاني على المحك في مواجهة الاصولية المتنامية في البلاد. وأي خلل جديد في افغانستان وباكستان لن يكون في مصلحة بوش وحربه على الارهاب، حيث سيثبت رأي الذين حذّروه في الداخل وفي اوروبا من ان ذهابه الى الحرب في العراق سيضعف من حربه الكونية التي اعلنها على الارهاب. وها هي الاحداث تظهر صحة التحذيرات بينما الولايات المتحدة تدفع ثمن اصرار بوش على التوغل في المغامرة العراقية.

ليس هذا فحسب، بل ان الاميركيين يخشون اليوم ان يجرهم عناد بوش الى مغامرة أخرى في ايران، غير معروفة العواقب على المنطقة. فإذا كانت الحرب في العراق قد أيقظت الصراع المذهبي داخل هذه البلد، فإن حرباً على ايران ستكون أقل نتائجها تعميم هذه الصراع على رقعة أوسع في المنطقة.

ربما كانت هذه الحسابات هي التي دفعت بالكونغرس الاميركي وتدفعه الى التحرك والتفتيش عن بدائل، وهي التي أملت على نانسي بيلوسي زيارة سوريا او التحرك في اتجاه معاكس لسياسة بوش. وهذا التصادم الاميركي الداخلي مرشح للاتساع كلما اقترب الاستحقاق الرئاسي الاميركي الذي بدأ باكراً هذه المرة، بسبب رغبة كل من الحزبين الاميركيين في اثبات صحة رؤاه.

غير ان الواقع الميداني يشير الى ان تجول السناتور الاميركي الجمهوري جون ماكين الساعي الى الفوز بترشيح حزبه للرئاسة او تجول السفير الاميركي الجديد في العراق ريان كروكر في بعض أسوق بغداد، لا يعني أبداً ان الامور تسير كما يشتهي بوش.

مصادر
النهار (لبنان)