‏..‏ وهذه الكتابة لا تأتي من فراغ وما دفعني إليها إلا لغط مرتبك أثاره قادة الجماعة‏,‏ وهو ارتباك متعمد يحاول أن يخفي حقيقة التنظيم الدولي والحقيقة أن أصل الفكرة قديم ويسبق نشوء الجماعة بأزمان طويلة‏..‏ ثم تبلورت ـ في بدايات العصر الحديث ـ عبر تعبير الجماعة الإسلامية‏Panislmisim‏ والذي ورد كثيرا في كتابات جمال الدين الأفغاني‏..‏ ولعل أشهر صيحاته في هذا الصدد هي دعوته للمسلمين في بلدان ابالتوحد‏,‏ مؤكدا أنه لو بصق كل مسلم بصقة واحدة لأغرق مجملها دولة الطغاة‏(‏ راجع‏:‏ خاطرات جمال الدين‏),‏ وكذلك فإن إنطلاق الثورة العرابية قد وجد له صدي في تحركات بين مسلمي الهند وفي الثورة المهدية في السودان‏,‏ ولكن كان للأمر شقه السلبي إذ أصدر اثماني بناء علي ضغط من الانجليز فتوي باسم الباب العالي تقول إن العرابيين عصاة‏,‏ خارجون علي الملة‏,‏ وكانت هذه الفتوي أحد أسباب هزيمة العرابي

وعبدالرحمن الكواكبي حاول أن يوضح صورة الأمر في كتابه أم القري الذي تخيل فيه اجتماعا تم في موسم الحج حضر فيه السيد الفراتي‏,‏ والفاضل الشامي والكامل الاسكندري والعلامة المصري والمتحدث اليمني والحكم التونسي والسعيد الانجليزي والإمام الصيني‏..‏الخ‏,‏ وستمر النهضة الإسلامية لبحث هموم المسلمين وكيفية اصلاح أحوالهم‏,‏ وفي ذات الوقت تقريبا كان الحزب الوطني‏(‏ القديم‏)‏ يتعرض لانقسام حاد بين اتجاه يرفع شعار مصر للمصريين شعار يرفعه الشيخ عبدالعزيز جاويش مؤكدا أن مصر جزء من دولة الخلافة العثمانية بزعم أن الخلافة إضاعة للذات‏. كذلك هناك الامتدادات الاخوانية في فلسطين والأردن والعراق مثل الشيخ تقي الدين النبهاني الذي تتلمذ علي يديه صالح سرية‏(‏ تنظيم الفنية العسكرية‏

ولاشك أن النواة الحقيقية للتنظيم الدولي للجماعة‏,‏ أتت عقب تصادم عبدالناصر معها‏(1954)‏ فقد هاجر العديد من قادة الجماعة الي بلدان عدة لكن كثيرين منهم تمركزوا في السعودية‏,‏ ومن السعودية الي ميونيخ بألمانيا سافر الأستاذ سعيد رمضان حيث أقام بتمويل مثيرة المركز الاسلامي الذي أصبح النواة التنظيمية بل والميلاد الفعلي للتنظيم الدولي للاخوان‏. وعندما اشتعلت الحرب الأفغانية كان التنظيم الدولي هناك‏..‏ كثيرون منهم نشطوا في أفغانستان مثل الكادر الاخواني كمال السنانيري ود‏.‏ عبدالله عزام‏,‏ الذي أسس هناك عرين الأسد واطلقوا عليه المأسدة وهناك تتلمذ علي يديه أيمن الظواهري الذي أكد أنه توجه الي اان بإيعاز من الاخوان‏(‏ راجع‏:‏ فرسان تحت راية النبي ـ الإنترن‏..‏

ويستمر التنظيم الدولي للجماعة في نشاط عارم يحرك فرقا في أنحاء عدة من العالم ويدير ويدبر أموالا طائلة‏..‏ ويظل التنظيم الدولي دوما بأمواله واتصالاته تحت قبضة الجهاز السري للجماعة‏,‏ الي أن تفجرت خلافات حادة بين مرشد الجماعة وبين اخوان الكويت بعد مسالاخوان لغزو صدام للكويت‏,‏ ثم تمرد الشيخ حسن الترابي الذي كان لفترة طويلة واحدا من أبرز حكام السودان‏,‏ فتمرد علي هيمنة الجما

وانتهي الأمر بأن لوحت قيادة الجماعة بفكرة أهل مكة أدري بشعابها‏,‏ وان كان الحديث عن التنظيم الدولي يظل دائما ـ وكما اعتادت الجماعة غائما وحمال أوجه ـ ونقرأ تصريحا للمستشار مأمون الهضيبي عندما كان مرشدا للجماعة يقول ليس هناك شيء اسمه التنظيم الدولي يحرك ااس في بلادهم‏,‏ هذا أبعد شيء عن الحقيقة وعن الواقع وليس من فكرنا‏,‏ وأهل مكة أدري بشعابها‏(‏ الحياة ـ لندن ـ‏1995/4/15),‏ لكن ما يدحض كل ذلك‏,‏ سواء إنكار البعض من قادة الجماعة أو الاجابات الغامضة‏,‏ هو أن هناك وثيقة حاسمة وقاصمة أنها النظام ال الاخوان‏(1982),‏ وأرجو أن نقرأ بإمعان بعضا من نصوصها ونبدأ بالديباجة الاخوان المسلمون في كل مكان جماعة واحدة تؤلف بينها الدعوة ويجمعها النظام الأساسي‏(‏ ونتأمل ونتفهم معني جماعة واحدة‏)‏ أما المادة‏2‏ بند و فتقول‏:‏ إن الجماعة تعمل علي قيام الدوية‏(‏ مع ذلك ينكرون أنهم يسعون لحكومة دينية‏)‏ وتنص اللائحة علي أن مقر الجماعة هو القاهرة وان المرشد يكون من دولة الم

أما التأكيد الحاسم لوجود تنظيم موحد منضبط فهو في المادة‏11‏ والخاصة بكيفية اختيار المرشد يقوم مكتب الارشاد العام وبعد استشارة المكاتب التنفيذية في الاقطار بترشيح أكثر اثنين قبولا اذا لم يمكن الاتفاق علي مرشح واحد‏(‏ وهكذا هناك مكتب ارشاد عام للجماعة وليم الدولي ومكاتب تنفيذية في الاقطار الأخري‏).

تحدد المادة‏49‏ كيفية تشكيل مكتب الارشاد العام من ثلاثة عشر عضوا عدا المرشد‏,‏ يتم اختيارهم وفق الأسس التالية‏:(‏ أ‏)‏ ثمانية أعضاء ينتخبهم مجلس الشوري من بين اعضائه في الاقليم الذي يقيم فيه المرشد‏(‏‏(‏ب‏)‏ خمسة أعضاء ينتخبهم مجلس الشوري من الاقاليم الأخري ومن بين اعضائه ويراعي في اختيارهم التمثيل الاقلي هكذا تتضح الحقيقة‏:ـ التنظيم الدولي موجود وجودا فعليا يتحرك ويعمل وفق لائحة ملزمة‏.‏ ـ مقره القاهرة‏,‏ ومرشده هو مرشد الجماعة‏,‏ وله مكتب ارشاد عام‏,‏ ومجلس شوري يضم ممثلين للاقطار المختلفة‏.‏ ـ وهو الحاضنة الكبري أو بالدقة الخزينة الكبري لأموال واستثمارات

ولأن الجماعة اختارت لنفسها أن تكمن في ذلك الشق بين الجمعية الدعوية والحزب السياسي‏,‏ فإن المفارقة الحقيقية تتضح من أن لا ضير من وجود جمعية دعوية ترعي الدعوة الاسلامية وتكون ذات فروع في اقطار أخري‏,‏ حدث ذلك في جمعية الشبان المسلمين ويحدث الآن في عشرات لتنظيمات الاسلامية ذات الطابع الدولي والتي تمارس الأنشطة الدينية أو الاجتماعية أو الخيرية‏,‏ لكن المأزق يكمن في اصرار الجماعة علي الفعل السياسي والحزبي‏,‏ هنا يقف القانون عائقا‏,‏ وتتراكم الشكوك حول التمويل والتدخلات ومدي مسئولية المرشد العام عما يحدأو هناك‏,‏ ولهذا يفضل الاخوان أن يتحدثوا عن هذا الأمر حديثا غامضا وغائما وأحيانا غير معبر عن الواقع ومن هنا يمكننا أن نفهم اصرارهم علي الاستمرار في حالة الاختباء الواقعي‏,‏ فلا هم جمعية أهلية تخضع لقانون الجمعيات ولا هم حزب يخضع لقانون الأحزاب

وحتي عندما يقولون إنهم سيعلنون حزبا سياسيا يبادرون علي الفور للقول بأنهم لن يتقدموا الي لجنة الأحزاب‏,‏ ذلك أنهم ان تقدموا يتعين عليهم أن يتخلصوا من حاضنتهم وخزينتهم أو بالدقة بنكهم العالمي‏,‏ حيث استثماراتهم الأساسية وكذلك امتداداتهم التنظيمة التي تمنمرونة في الحركة وقدرة علي المناورة‏. وهكذا يمكننا أن نفهم لماذا ترتبك الكلمات عندما يأتي الحديث عن التنظيم الدولي‏.‏ ‏

مصادر
الأهرام (مصر)