على الرغم من التسريبات الإعلامية التي كانت تظهر بين الفترة والأخرى، والتي كانت تشير بشكل أو بآخر إلى مفاوضات (سورية- إسرائيلية) تجري من تحت الطاولة (كما كانت توصف) وأن شخصاً أمريكياً من أصل سوري هو على علاقة متينة بالقيادة السورية كان يتولى هذه المفاوضات، فإن أحداً لم يكن يعلّق على تلك الأخبار أو التسريبات إلا بأن هذه المعلومات غير صحيحة وأن لاشيء يجري في الخفاء..

وفجأة يعلن في إسرائيل بأن السيد (إبراهيم سليمان) وهو ذات الشخص الذي سبقت الإشارة إليه، وصل إلى إسرائيل بدعوة من (تساحي هنغبي) رئيس لجنة الخارجية والأمن الإسرائيلي التابعة للكنيست، وهي أهم لجنة تنبثق عنه وتحدّث إلى اللجنة لأكثر من ساعتين عن نية سوريا بالسلام، وأكد في معرض حديثه بأن سوريا لن تبادر إلى أي عمل عسكري ضد إسرائيل (ولكنها بالمقابل ستدافع عن نفسها بكل ما أوتيت من قوة إذا هاجمتها إسرائيل) وشدد بأنه يمثل نفسه ولا يمثل القيادة السورية إلا أنه أكد بأن السلام ممكن بين سوريا وإسرائيل، وعند سؤاله في مؤتمر صحفي عقد في القدس هل يمكن للرئيس الأسد تأكيد حسن نية سوريا بزيارة إسرائيل (مثلاً) كما فعل السادات؟ أجاب (إبراهيم سليمان) إن سوريا لا تحتل أراض إسرائيلية وأن (الأسد غير السادات).. لكنه عاد وشدد على أن سوريا راغبة بالسلام، وهذا ممكن خلال أشهر قليلة، وكشف عن لقاءات حول نفس الموضوع تمت في سويسرا بينه وبين المدير السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية (ألون ليئال) انتهت بالخروج بوثيقة أطلق عليها اسم (وثيقة التفاهم) وصرّح بأن القيادتين السورية والإسرائيلية على اطلاع بتفاصيل تلك اللقاءات.

الآن، وبعيداً عن (تصديق أو عدم تصديق) ما أدلى وما يدلي به (إبراهيم سليمان) حول مفاوضات سرية (تمت أو لم تتم) وبعيداً عن تصريحاته بأنه (يمثل نفسه أو غيره) لنا الحق أن نتساءل: لماذا أحدثت تصريحات (سليمان) انقساماً داخل الكنيست كما قيل؟ ولماذا وجدت غالبية أعضاء الكنيست أن السلام مع سوريا أمر مرفوض، مما دفع هؤلاء إلى تبني عدم الانسحاب من الجولان المحتل مهما كان الثمن، وهم يعلمون أن (تحرير الجولان أمر غير خاضع للنقاش أو التنازل من قبل سوريا مهما كان الثمن أيضاً؟؟) فهل حقاً إسرائيل أو المجتمع الإسرائيلي ككل راغب بالسلام مع سوريا كما تصرح وسائل الإعلام الإسرائيلية؟...

فلو استعرضنا بعض ما حصل في الكنيست بعد تصريحات (إبراهيم سليمان) والتي تتلخص بـ: 1 – رأي (زهافا غالؤون) من حزب (ميرتس) وهو الحزب الذي دعا سليمان للحضور في اللجنة، والتي لخصته بـ(أهمية مبادرة إسرائيل إلى إجراء اتصالات رسمية مع سوريا، واعتبرت أن هذا مهم بالنسبة لإسرائيل كون الزمن لم يعد لصالحها لأن هناك تآكل في الردع الإسرائيلي) وبعيداً عن مصلحة المنطقة ككل أو مصلحة شعوب المنطقة، وبعيداً عن بحثها عن المصلحة الإسرائيلية فقط والتي بنتها على المفاهيم السائدة في المجتمع الإسرائيلي القائمة على العرق، نجد أن (حزب العمل) حاول (تكذيب أو تقليل من شأن) ما أورده (سليمان) من خلال تصريح (داني ياتوم) بأنه توجه إلى السوريين باقتراح إجراء مفاوضات غير رسمية، لكن السوريين رفضوا وشددوا على موقفهم بأن أي مفاوضات يجب أن تكون رسمية.

أما (إسرائيل كاتس) من (الليكود) فقد قطع الطريق على (سليمان) وعلى (فكرة السلام من جذورها) بقوله: (بأي حال من الأحوال لن تنسحب إسرائيل من الجولان!؟) وأضاف: (لقد حصلت على تواقيع 61 عضواً من الكنيست يرفضون الانسحاب، وهناك غالبية صلبة حيال هذا الموضوع داخل الكنيست).

ما سبق يوضح لنا بأن إرادة السلام من وجهة النظر الإسرائيلية غير موجودة أصلاً، وأن المجتمع الإسرائيلي ككل الممثل بأحزاب الكنيست يرفض أي سلام سوري – إسرائيلي، وأن موضوع السلام أمر غير وارد في الشارع الإسرائيلي وليس الحكومة الإسرائيلية فقط، وإلا لما كان هذا الرفض الشديد (لموضوع الانسحاب من الجولان) وهو من أهم (المسلمات السورية) في عملية السلام؟..

وإذا ما أضفنا إلى كل ذلك تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي (إيهود أولمرت) الذي وصف (سليمان) قبل أشهر بأنه رجل يحاور نفسه ونعته بـ(غريب الأطوار).. كذلك رفض السلطات الإسرائيلية طلب (سليمان) عقد لقاءات مع مسؤولين رسميين واكتفت بلقاءاته مع سياسيين فقط.. إضافة إلى إلغاء لقاء لسليمان كان مقرراً مع (أهارون أبراموفيتش) المدير العام للوزارة الإسرائيلية خشية أن يخلق هذا اللقاء انطباعاً خاطئاً بأن مفاوضات تجري من أجل السلام.. لوجدنا أن نظرية إسرائيل الكبرى مازالت ماثلة في ذهن الشعب الإسرائيلي، وأن العدوان على الغير مازال من أهم مقدسات الفكر الإسرائيلي المتطرف الذي يدير عجلة الأمور في إسرائيل، سواء كان (إبراهيم سليمان) يمثل نفسه أم مكلف من غيره، أو (مهما كانت الحقيقة).. فإن الحقيقة الوحيدة التي أمامنا تقول: مازلنا أمام مجتمع يقوم بأكمله على العدوان وسلب ممتلكات الغير.. وأن الذئب لن يكون حملاً في أي حال من الأحوال.