لم تعد مناسبة يمكن ان تظهر ثم تختفي من مساحة حياتنا اليومية، لأن الطابع الوجداني للجلاء ربما غاب مع رحيل الأجيال التي عاصرته، بينما يشهد المجتمع اليوم واقعا آخر مرتبط باستحقاقات هذا الحدث بعد مرور أكثر من نصف قرن على ظهور أول حكومة استقلال، فمشكلة "الجلاء" اليوم أكثر تعقيدا مما يعتقده البعض، لنها امتلكت صورتها الخاصة والمتباينة، ولم نعد نستطيع وضعها ضمن إطار "مدرسي" يمكن تذكره في كل لحظة.

"الجلاء" بعد اكثر من نصف قرن دخل اختبارات متعددة بدء من "الهوية" و "انتهاء" بتفاصيل "التنمية الاجتماعية"، وتعاقبت عليه تيارات سياسية، وصراعات بين القوى الاجتماعية أيضا، لكنه من حالة التكسر التي تعيشها المنطقة يكتسب سمة خاصة، ليس كمنجز سوري بل أيضا كجامع اجتماعي يدفع للتفكير من جديد بالقيم التي حملها ولكنها بقيت كامنة نتيجة حدة الصراع الذي عاشته سورية.

وربما نحتاج إلى إخراج هذا الحدث من طابعه التاريخي، ووضعه على سياق الحاضر، بعد أن شهدنا تداعيا سياسيا واضحا في الشرق الأوسط عموما، لأن "الجلاء" كان يعني ظهور أول شكل للدولة السورية التي أرادت بناء انتماء لمواطنيها بعيدا عن أي وجود طارئ يحاول رسم سياسات خاصة لها، وهذا ما يميزها عن "الدولة" التي نشأت في ظل الانتداب، أو حتى محاولة إيجاد دولة بعد خروج العثمانيين.

هذه التجربة هي اليوم اهم قيمة لما حمله الجلاء، مع محاولات تفتيت مفهوم "الدولة" أو منحة أشكال سابقة لظهورها كما يحدث في العراق، فما يحدث على ساحة العراقية إضافة لكم التحليلات والدراسات وحتى الإعلام، تسعى لوضع حالة من الافتراق بين الدولة والبنية الاجتماعية، وربما يتم تحوير مفهوم "الديمقراطية" من تداول السلطة إلى اقتسامها، والدخول أيضا في "المحاصصة" على الدولة، وغعادة تركيب المجتمعات وفق التكوين السكاني كما يجري في العراق. في "قيم الجلاء" استطاع الجيل الذي حققه معرفة طبيعة سورية والمنطقة، فهو خاض تجربة متعددة بدء من الصراع ضد العثمانيين وحكم عبد الحميد الثاني وصولا إلى إخراج القوات الفرنسية، وهو استطاع أن يقدم على أولوية تفهم أن "الدولة" هي تعبير حقوقي عن المجتمع وليس مجال تصارع اجتماعي، مهما كانت الملاحظات على النظم السياسية التي سادت منذ الاستقلال. بينما اليوم فإن التفكير بالمنطقة، وربما الاستراتيجيات الدولية كما شهدناها تكسر هذه القيم بأشكال مختلفة خالقة ارتداد لمراحل ما قبل الاستقلال والحداثة ووصولا إلى خلافات القبائل والعشائر والبطون، فما حدث في العراق لم يكن صورة إنما يطرح نوعية التفكير التي تحكم التوجه الجديد للمنطقة... وهو ما لا يمكن أن نجعله سوى وراءنا، لأننا عندما أنجزنا الاستقلال قررنا الدخول في حداثة "الدولة" أولا وأخيرا...