انتخابات نيابية في سوريا قريبا، تليها انتخابات رئاسية، والأدق تجديد "المبايعة" للرئيس. مع ذلك، لم نسمع كلاما، من خصم للنظام السوري، "يشمت" به، بما ينتظره من امتحان امام الشعب، او عبارات من حليف يمتدحه لجرأته على وضع قراراته وخياراته تحت مجهر حكم المواطنين. فلم ينبر "فاروق شرع" فرنسي ليتلمظ من فرحته بقرب استبدال ساكن قصر المهاجرين، ولم يتشدق احد محافظي المناطق الفرنسية، على طريقة مستوطن بعبدا بالوعد ببقائه في موقعه، الى ما بعد تلك اللحظة.

وحدها الانتخابات، تشريعية ورئاسية، في دول الانظمة الشمولية لا تثير أملا بجديد، ولا تفاؤلاً بمستقبل، لا عند محبيها ومؤيديها، ولا عند خصومها ولا اعدائها. نقطة قوة هذه الانظمة انها أبدية، متوارثة برغم تسميتها بالجمهورية. ولا يمكن اقتلاعها الا بانقلابات ولى عهدها وزمنها. لكن بقاءها، كما الانقلابات، التي يؤسف احيانا وفعلا – على وقف مسلسلها، لا يكون الا بتوافق اقليمي ودولي على الاستفادة من استقرارها. تماما كالمرض الفتاك، الذي يفضل الاطباء استقرار اعراضه ومنع تفاقمه، لان البديل العلاجي غير متوافر، وأي دواء غير مجرب او موثوق بنجاعته، قد يؤدي الى القضاء على المصاب به.

بهذا المعنى، فان نقطة ضعف الانظمة الديموقراطية هي في قدرتها على التجدد بالانتخابات على كل المستويات، مما يترك لخصوم قادتها، وعلى مبعدة آلاف الاميال، لذة التشفي واظهار الحقد على مثلها ومبادئها.

ولان النموذجين يتعارضان، يستعجل الرئيس الفرنسي جاك شيراك، على ما تقول الصحف، بت أمر المحكمة ذات الطابع الدولي قبل نهاية ولايته، بينما يستمر تعامل دمشق معها هادئا، تاركة لحلفائها في الداخل، المساعي لاستنبات الحواجز من خيم رياض الصلح الى الاجتهادات الدستورية الخاصة بجلسة انتخاب رئيس الجمهورية العتيد، ويغرقون الحياة السياسية في شعارات وعناوين تسخر من سلطة المعايير، ليس فقط القانونية والحقوقية، على ما كتب الدكتور انطوان مسرة في "قضايا النهار" الاسبوع الفائت، لكن ايضا المعايير العقلانية والانسانية.

من ذلك، الادعاء بخطة لنقل الشيعة بالبواخر من لبنان، على ما يكرر الناطقون بصوت "حزب الله"، من دون ان يسموا صاحب الخطة ومصلحته في الامر، وعدد البواخر القادرة على نقل نحو مليون كائن بشري، والبلد، او البلدان القادرة على استيعابهم، وما اذا كانت حجة التغيير الديموغرافي المطلوب في لبنان، حسب زعمهم، لن تؤدي الى "ضرر" ديموغرافي في الدول المرشحة للاستضافة، والمتعطشة للقاء هذه الجالية اللبنانية تحديدا.

الهدف المستنتج من هذا الكلام المتفلت من كل معيار، اثارة مخاوف الشيعة اللبنانيين، تماما ككلام طرف آخر في المعارضة هو ميشال عون انه لن يقبل برئيس للجمهورية موظف عند سعد الحريري، ليستنفر المسيحيين ضد كل مرشح محتمل للرئاسة من قوى 14 آذار وليوحي ان الاخرين لا يمثلون المسيحيين، بل السنة. ولا ينفك الطرفان يبديان التخوف من حرب أهلية يتهمان الخصم بالتحضير لها، فيما ادعاءاتهما، ومنها البواخر و"الموظف المزعوم" لا تؤدي الا الى شد العصب الطائفي عند الطائفتين المعنيتين، وتحضر الاجواء لهكذا حرب.

اثارة المخاوف من حرب اهلية احد اوجه الرد على اقتراب ولادة المحكمة الدولية، ويماشيه في ذلك التلويح بفراغ موقع رئاسة الجمهورية تحت عنوان نصاب الثلثين، ويقابله نهج عقلاني دولي يعتقد ان المشكلة لدى المعارضة اللبنانية هي في سوء فهم نظام هذه المحكمة، فيأتي المستشار القانوني نيكولا ميشال لتقديم مزيد من الشروح، ويصل الموفد الروسي الكسندر سلطانوف لتقديم النصيحة السياسية. مع ذلك تتعامل المعارضة مع الضيفين بالاصرار على مواقفها، بلا مخاوف. فالمحاسبة الشعبية سمة الديموقراطية، ولا علاقة لها بالانظمة الشمولية، ولا بالاحزاب الشمولية. وفيما تبقى القيم العليا هي نفسها لدى الانظمة التي تحترم تداول السلطة ديموقراطيا ومنها العدالة والحرية والمساواة، فانها قابلة للتأويل، باستمرار، لدى انظمة التجديد والتمديد، ومن يتبع.

مصادر
النهار (لبنان)