إن فكرة الاستيلاء على السلطة في دمشق من قبل "لاجئي فرنسا وبريطانيا" من "أفراد" جبهة الخلاص، اعتمدت على عدة عناصر أساسية، يمكن حصرها في عدة نقاط هي: إمكانية انضمام بعض أفراد النظام الحاكم وحزب البعث في دمشق إلى جبهتم؛ واعتمادهم على تقرير محقق الأمم المتحدة في قضية استشهاد رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، والذي- اعتمادا على المعلومات التي قدمها منظرو الجبهة ـ سوف توجه اتهاما مباشرة إلى النظام السوري، أو لبعض أركانه، بضلوعهم في عملية الاغتيال، ما سوف يؤدي إلى زعزعة النظام، ويدق أسفين نهايته؛ وآخرا، الاعتماد على تأييد عربي مُقنّع من قبل بعض الدول العربية المتحالفة مع باريس وواشنطن، وبصورة غير مباشرة مع إسرائيل وأعوانها من المحافظين الجدد في واشنطن الذين كانو ومازالو يهندسون لشرق أوسط جديد مبني على فلسفتهم الجديدة ـ "الفوضى الخلاقة"، والتي بواسطتها يأملون بإحكام السيطرة على مرافق الثروة والإقتصاد في المنطقة العربية عامة، وهلالنا بصورة خاصة؛ وهذه الأمور مجتمعة لم تتحقق للجبهة حتى هذه اللحظة!.

لقد بدأت تحالفات باريس بالسقوط والانشقاق على نفسها، لتحل محلها تحالفات جديدة هنا وهناك، مازالت تبحث عن نقاط سياسية يستطيع أفراد الجبهة التجمع حولها ليقدموا أنفسهم، من خلال قناع جديد، إلى الشعب السوري الذي ملّ وأصابه الغثيان من تلك التكتلات الفارغة والجوفاء.

بيد أن المتغيرات الإقليمية، حتمت على الغرب أن يراجع حساباته السياسية، لإيجاد الطرق والحلول التي يجب عليه أن يسلكها من أجل الحفاظ على مصالحه الاستراتجية، وبدأت حرارة زائري دمشق بالإرتفاع نتيجة بغية تنفيذ سياسة استباقية قبل أن تفلت زمام الأمور وتتعرض مصالحهم الأساسية في الشرق الأوسط إلى خطر داهم يتهددها بشكل كامل. وانعكس ذلك في الجانب العربي المتحالف بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع منظري باريس ولندن واللذين وجدوا أنفسهم في النهاية بأنهم راهنو على حصان خاسر. فأعاد البيت العربي خلط أوراقه من جديد في مراجعة متأنية ومدروسة أنتجت قناعات جديدة بأن الانفراج الاقليمي يمكن أن يؤدي إلى إخماد تدريجي لحمى القتل والفوضى المشتعلة في العراق وفلسطين، وكذا اجتثاث بذور الفتنة في لبنان.

إن البيان الأخير الذي أصدره مجلس العلاقات السورية الأميركية في واشنطن، وبشراكة مع المحور الثالث، وبعض القوى والجماعات الليبرالية والديمقراطية، وهيئات المجتمع المدني، لهو رسالة واضحة لموقف سياسي ومبدأي بعيد كل البعد عن الإنزلاقات والمهاترات السياسية الغير المجدية.
الهدف الأساس للبيان تمحور حول إعطاء جواب منطقي وواقعي من قبل شريحة كبرى من سوريي الداخل والخارج، الذين يؤمنون بجدية خيار الإصلاح السياسي والاجتماعي اللاعنفي كوسيلة وحيدة، وخيارحضاري، لدفع عملية التطوير نحو الديمقراطية والتعددية السياسية، وحث مسيرة التغيير بشتى تجلياتها.

إن تأكيدنا على مبدأ "نبذ العنف" كوسيلة للتغيير الديمقراطي إنما تنبع من عقيدة عميقة بإمكانية التطوير المدني لمجتمع لم يعرف ولم يتعرف على مذاقات وأهمية التعددية السياسية الحقيقية، والمبنية على احترام الرأي الآخر، منذ عهد بعيد يرجع إلى خمسينات القرن الفائت.

إن رفضنا لأي نوع من التدخل في الشؤون السورية، أجنبيا كان أم عربيا، خاصة من قبل دول وجماعات وأفراد لم يعرف عنهم احترامهم للرأي الآخر، أو قبولهم والتزامهم بمبادئ التعددية السياسية والديمقراطية، إنما يصبّ في رفضنا التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أيضا؛ وهذا الموقف يعتمد على يقيننا بأننا، كسوريين بامتياز، نستطيع ونملك القدرة المعرفية والفكرية والعلمية الكافية التي تؤهلنا للمساهمة في عملية الإصلاح، وبشراكة كاملة مع جميع شرائح المجتمع السوري العظيم، بكل إثنياته وأطيافه.

إن من يتحدث عن إمكانية اللجوء إلى العنف كوسيلة للتغيير في مرحلة ما، إذا ما فشلت الطرق الأخرى، هم جماعة من المراهقين والمقامرين السياسيين البلهاء، من الذين "يتزحلقون" في دهاليز السياسة وبأقنعة مختلفة الألوان والأشكال، يُخفون وراءها نياتهم الحقيقية العُنفية وتحالفاتهم المشبوهة من أجل تحقيق هدفهم الأناني والأوحد في القبض على السلطة.

نحن دعاة إصلاح، نؤمن بعمق بأهمية الحوار واحترام الرأي الآخر، و بضرورة إحلال "المواطنة" بحقوقها الأساسية، ونحن نؤكد بأن الطريق إلى ذلك لن يكون إلا عن طريق حوار متطور مع جميع أطراف المعادلة السياسية السورية وبدون استثناء. وانطلاقا من هذا الموقف نطرح التساؤلات التالية للشروع في حوار عميق وغني:
ـ هل يمكن للمؤسسات البيروقراطية المزمنة التي تدير الدولة منذ أكثر من نصف قرن أن تستمر في دورتها الصدئة، والتي ساهمت في تحويل الفساد إلى "ثقافة" مقبولة في المجتمع؟
ـ هل تستطيع الإدارة الأمنية والعسكرية أن تتحول إلى مؤسسة تحافظ وتحمي حقوق المواطن وتكون مهمتها الدفاع عنه؛ مؤسسة تحترم الدستور والقانون بعد أن خرقته المرة تلو المرة، وبذلك تتحول إلى حماية الشعب وسوريا ـ الدولة، بدلا من حماية سوريا ـ النظام؟
ـ هل يستطيع النظام القضائي القائم، أن يعود إلى أصول وجوهر مهمته في خدمة العدالة ومراقبة تطبيق القانون على الجميع، وبلا استثناء، بعد أن أصبح "مطيّة" للمصالح الضيقة والأنانية، حين فصّل مواده على مقاسات آل الحكم وأفراد السلطة ؟
ـ هل يمكن لسلطة الرابعة من صحافة وإعلام مرئي ومسموع أن تتحول من مترجم مداهن لإرادة الحاكم، إلى مُعبّروناقل نزيه لإرادة الشعب ومصالحه؟

ثمة أطراف من الناشطين السياسيين لا يعتقدون بإمكانية حدوث ذلك! إلا أنني، وإذ أطرح هذه التساؤلات، فإنما أعبر عن عقيدتي بحتمية وضرورة حدوث هذه المتغيرات التي تصب في مصالح الشعب والدولة السورية ومؤسساتها في آن.

ونعود هنا للتأكيد بأننا لن ننجرف إلى سياسة الفوضى الخلاّقة، ولن نقبل بأي شكل من الأشكال أن تتحول سوريا إلى عراق آخر أو لبنان آخر، تحت أي ظرف من الظروف. وأشير في هذا السياق إلى الفوضى الإعلامية التي رافقت مفاوضات رجل الأعمال الأميركي السوري الأصل، ابراهيم سليمان، مع جهات سويسرية واسرائيلية، وبدون التعرض لتفاصيل تلك اللقاءات والمفاوضات والمشاريع التي تحدّث عنها، لابد من التنويه هنا إلى أن الحكومة السورية، وأية حكومة سورية قادمة، لا تحتاج إلى أفراد غير رسميين يفاوضون باسمها، حتى لو كان ذلك من خلف الستار كما نشر في وسائل الإعلام !. فسوريا لا تزال، وحتى اللحظة، في حالة مفاوضات، ولو كانت متوقفة لحين، مع الإسرائليين من أجل هضبة الجولان منذ مدريد مرورا بجنيف، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور. وبناء عليه أجد نفسي بمنأى عن هذه الأنباء المتضاربة والتي افتقرت للمصداقية والشفافية، وأجدني أقرب إلى الأخذ بتصريح الناطق الرسمي السوري الذي "نفى هذا الموضوع بشكل كامل".
وإن تهافت بعض الناشطين السوريين للظهور في وسائل الإعلام الاسرائيلية، كظهور فريد الغادري في التلفزيون الاسرائيلي المحطة رقم واحد، ولقاء أحد ممثلي جبهة الخلاص في واشنطن عمار عبد الحميد مع جريدة يديعوت أحرونوت!. يتناقض بشكل كامل مع الاتجاهات الوطنية التي يفترض أن تكون المبدأ الأساس في جميع الحركات الموالية للنظام أو المعارضة له.