تصطف متاجر جديدة لبيع السيارات الصينية والألمانية الفاخرة في طريق مزدحم يؤدي إلى العاصمة السورية دمشق والذي كان منذ بضعة أعوام فقط طريقا خاليا. ويشير الطريق الذي كان يوجد به من قبل برج كبير يقيم به خبراء عسكريون سوفييت إلى فورة شرائية لم تشهدها سوريا خلال أربعين عاما من حكم حزب البعث بادارته الاقتصادية الشبيهة بالطريقة السوفيتية.

ويزيد الرئيس السوري بشار الأسد من الاصلاحات التي بدأها قبل سبعة أعوام عندما تولى رئاسة البلاد خلفا لوالده الراحل حافظ الأسد، ويدعم التنمية الاقتصادية ويعمل على زيادة دور القطاع الخاص في محاولة لتعويض الخسارة في صادرات النفط.

ويتزايد الضغط على سوريا وهي لاعب سياسي رئيسي في منطقة الشرق الأوسط لتنويع اقتصادها وسط توقعات بأن تصبح مستوردا صافيا للنفط بحلول عام 2010 على أقرب تقدير. وجذب الاستثمارات أصبح نقطة أساسية أيضا في جهود سوريا لتخفيف عزلتها عن الغرب واستئناف محادثات متعلقة باتفاق اقتصادي مع الاتحاد الأوروبي الذي تجمد لأكثر من عامين. وقال جهاد اليازجي ناشر نشرة (سوريا ريبورت) الاقتصادية "في الوقت الذي لم تعد فيه صادرات النفط عاملا ملطفا يدرك المسؤولون عن اتخاذ القرار أنه ليس أمامهم خيار آخر سوى الانفتاح بالتركيز على تحرير التجارة والقطاع المصرفي وقطاع التأمين."

وتابع اليازجي الذي عاش في فرنسا قبل عودته إلى سوريا منذ بضعة أعوام "النتيجة كانت هائلة. كان السوريون متعطشين للسلع الأجنبية والخدمات عالية الجودة منذ عشرات السنين، حتى ان النساء تبيع ذهبها لشراء سيارات."

وأضاف أن عدد السيارات الجديدة التي بيعت عام 2006 تفوق على مبيعات العامين الماضيين معا.

والاقبال الكبير على الشراء يمتد إلى كل نوع من السلع والخدمات، وتفتح يوميا متاجر جديدة للملابس ومراكز تجارية ومقاه ومطاعم، كما تقام فنادق جديدة خاصة في دمشق التي يوجد بها فقط نحو خمسة فنادق من تصنيف أربعة نجوم، وخمسة فنادق من تصنيف خمسة نجوم مقارنة مع العشرات في العاصمة اللبنانية بيروت. وأصبح بامكان سكان دمشق الاتصال هاتفيا بشركة جديدة للسيارات الأجرة تدير أسطولا من السيارات المريحة مكيفة الهواء بدلا من التكدس في سيارات الأجرة القديمة الايرانية ومن شرق أوروبا الشائعة في العاصمة السورية.

والاختلاف كبير مقارنة مع الأوضاع التي كانت سائدة قبل أعوام عندما كان الحصول على ترخيص لمبنى تجاري شبه مستحيل تقريبا وعندما كان كل شيء تقريبا يمكن شراؤه بشكل قانوني محلي الصنع وعندما كان آلاف المهربين يسيطرون على نسبة كبيرة من الواردات. وفي متجر لافينيو المقام قرب ضريح للمفكر الصوفي ابن عربي تقوم النساء بتجربة ملابس من تصميم موسكينو وألبرتا فيريتي وإيف سان لوران حيث ثمن القطعة الواحدة آلاف الدولارات.

وافتتحت رنا محجوب العضوة البارزة في المجتمع متجر لافينيو بمجرد بدء الاتجاه لتخفيف القيود العام الماضي بالرغم من أن التعريفة الجمركية ما زالت عالية مقارنة مع لبنان حيث اعتاد السوريون الشراء بشكل كبير قبل تدهور العلاقات بين دمشق وبيروت منذ عامين، وتقع بيروت على بعد نحو 130 كيلومترا.

وتقول مغتربة أوروبية وهي تستعرض السلع في المتجر المؤلف من ثلاثة طوابق "المجموعة جيدة ولكن من الأرخص على الأرجح السفر بالطائرة إلى باريس والشراء من هناك." أما زياد مسلاني زوج رنا والذي يساعد زوجته في ادارة المتجر فيقول إن البعض قد يندهش من الطلب على الماركات الفاخرة في دولة يبلغ متوسط الأجور فيها 1500 دولار سنويا ويعتمد 12 في المئة من السكان على دولارين أو أقل يوميا.

وقال مسلاني "رأينا كيف غزت الماركات الفاخرة الاتحاد السوفيتي سابقا بعد انهياره، آخر مرة كانت مثل هذه الماركات مسموح بدخولها إلى سوريا كانت منذ 40 عاما." ويتذوق سامي قوتلي عادة القهوة الإسبرسو في مقهاه الجديد بحي المالكي لضمان جودتها ويقول "ما زالت هناك قيود وهناك كثير من البيروقراطية التي تؤخر إمداداتنا ولكننا ما زلنا نسعى لتقديم أفضل معجنات على هذا الجانب من البحر المتوسط."

وتابع قوتلي الذي تخصص في دراسة الأعمال في الولايات المتحدة "بامكان السوق استيعاب العديد من المطاعم قبل أن نشعر بحرارة المنافسة." وقال إن العثور على عاملين مدربين يتحدثون الانجليزية كان من أبرز التحديات التي تواجه عمله الذي يتضمن أيضا مطعما يواجه المسجد الاموي الذي يعود للقرن الثامن في دمشق القديمة وهو من أبرز المزارات السياحية في البلاد.

ومعظم الاستثمارات والملكيات خاصة برجال أعمال على صلة وثيقة بالكيان السياسي ولكن الحكومة تحاول تشجيع المغتربين الذين فروا خلال فترة التأميم على العودة والاستثمار في البلاد.

ويقول اقتصاديون إن الاستثمارات الاجنبية ما زالت محدودة ويرجع ذلك جزئيا الى الغموض السياسي والعقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا منذ عام 2004 على الأخص بسبب دعمها لحركة المقاومة الاسلامية (حماس) وحزب الله. وأثارت نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي وهي من الديمقراطيين جدلا عندما زارت سوريا الشهر الحالي والتقت بالأسد، وقال البيت الابيض إن هذه الزيارة "ستضعف السياسة الخارجية لادارة بوش."

وافتتحت مجموعة الخرافي الكويتية أربعة فروع لمقهى كوستا في دمشق وتدير شركة لسيارات الأجرة، وخصصت شركات خليجية أخرى مئات الملايين من الدولارات لبناء مراكز تجارية وفنادق ومجمعات سكنية في سوريا.

ولم يخف المسؤولون السوريون أنهم يعطون الأولوية لجذب الاستثمار الخليجي، حتى ان عائلات أعمال سورية بارزة وحدت جهودها في الآونة الاخيرة لمواجهة المنافسة. وقال هيثم جود وهو أحد المساهمين في الشركات القابضة الجديدة "نحن بحاجة الى التوحد لأن المستثمرين الخليجيين يأتون برؤوس أموال ضخمة لسوق عذراء... هناك طلب فعلي على كل شيئ."

مصادر
رويترز (المملكة المتحدة)