ساعات قليلة و ينحسر انتخابيا -إلى حين- هذا الطوفان الدعائي الجارف الذي يشنه علينا قناصوا المقاعد البرلمانية في مجلس الشعب, إنما من دون أن يزول اللبس عن ملاحظة لعلها من أكثر الملاحظات لفتا للنظر منذ الساعات الأولى لبداية الحملات التبشيرية للمرشحين و حتى الآن, و هي خلو أي من القوائم الانتخابية للمحسوبين على (الاستقلالية) من أي شكل من أشكال التآلف أو التحالف بين المترشحين من الرجال؛ و (نظرائهم) - جدا بين قوسين- من النساء, و كأن من المعاني المضمرة أو المضافة لتعبير(مستقلون) لهذه السنة؛ أن يكون المرشحون أيضا مستقلين بالجملة والتفصيل لا حزبيا أو تنظيميا فحسب, بل جنسيا جندريا كذلك و بالعكس.

إذ بدا أن الشباب في "الشام" و "الفيحاء" و "البشائر" و "مهد الحضارة" و غيرها من القوائم* المعلنة, و المؤلفة في غالبها الأعم من حيتان المال و الأعمال و النفوذ الديني و الدنيوي ؛ لم يستنهض هممهم - و هم أصحاب الرؤى المستقبلية على ما يسوقون - حافز لأن يكون إلى جانبهم أي سيدة أو آنسة - خلال مسيرة ترشيحهم على الأقل- , اللهم فيما عدا كتائب السكرتيرات و المندوبات الملحقات آليا بمكاتبهم و مكاتب مكاتبهم , و الذي لا يكلفهم في واقع الأمر استدراجهن إلى حملاتهم و مضاربهم الترويجية أي جهد في الإقناع أو الحوار أو تبادل الأفكار و الخبرات, إذ يكفي إعلان توظيف واحد, صغير, على باب "الآداب"؛ حتى تتقاطر العشرات منهن عليهم من تلقاء أنفسهن, و معهن بالطبع ما جادت به القريحة و ذاكرة الموبايل من أسماء الأقارب والأباعد, (المرشحين) بدورهم لمنح (ثقتهم – بطاقة هويتهم) لـ(المرشح) رب العمل و قائمته الملهمة .

و حتى لو (قبضنا) - بالعامية الدارجة - عن ألسنتهم تلك الشعارات التي بتنا - ما أصبحنا و أمسينا - نتفيأ ظلالها الوارفة على امتداد شوارع البلد و ساحاته من قبيل ( "معا" نبني الوطن \ بلدنا <معا> نبنيها \ لنبني وطننا "معا".... ) فإننا نجد أن هذه الـ<مع>ـيّة سرعان ما تتلاشى في أتون المعمة الدائرة على الجدران والشجر و أعمدة الكهرباء و , و لا يبقى لها و- لتشكيلاتها البلاغية- من الإعراب الميداني التطبيقي محل أو تصريف.

و كلنا يذكر بالأمس غير البعيد - تحديدا في أيار \ 2005 - كيف هللت المنظمات الحقوقية و الاتحادات النسائية و من ورائها الإعلام الحر الهادر؛ عندما تمكنت الكويتيات من الالتحاق بفردوس الانتخابات العربية, بعد أن نلن حقهن في الانتخاب والترشح للمجالس البلدية أسوة بالرجال, و ذلك بعد صراع ملحمي - يشهد على مرارته من كان متابعا له - امتد على مدى سنوات ست, و اعتبر في ساعته و تاريخه فتحا من فتوح القرن الحادي والعشرين. فهل عساهم رجالات مجلسنا المقبل؛ يدشنون عهدهم الميمون بحجب حق الترشح والتصويت عن النساء السوريات, كونهن غير مؤهلات وفق مقاييسهم السرية -على اعتبار أنهم هم أنفسهم كذلك- لأن يزاملوهم على مقاعد المجلس, بعد أن فشلن في نيل شرف مكاتفتهم و الوقوف إلى جانبهم في لوائح القوامة الخاصة بهم سابقا ؟!!!

بل يكاد يخامر المراقب شك بأن أولئك المستقلين أساءوا تهجئة (مستقل)؛ و تبنوها كـ(مستقيل), خاصة و هم يمارسون هذا الاسترخاء المبادراتي تجاه مواطناتهم, و يفرطون في الاستئناس إلى أن "البعث" و من ورائه "الجبهة" يقومون بجزء من هذا الواجب عنهم, من خلال فرض هؤلاء عرفيا لكوتات مسبقة, تخص إلزامية وجدود نساء في كوادر هيئاتهم الحزبية و مفاصل نشاطهم الحركي, ناهيك عن قوائم (مرشحيهم), و ربما يكون هذا الأمر بالذات واحدا من الأشياء طويلة العمر جليلة القدْر -لكن بقدَر- و التي لازالت صامدة رغم العاتيات, من جملة أدبيات أخرى أقل حظا تساقطت على طريق النضال .

أما عن المرشحات الآنسات و السيدات أنفسهن؛ فقد بدا أنهن لا زلن بعيدات عن الموضة الاقتراعية لهذا الموسم, فلم تلفت أنظارهن هذه الصيحة المستجدة في عالم الانتخابات و المسماة "قوائم", ولم نلحظ من قبلهن سعيا إلى المشاركة في إحداها, لا بل أننا حتى لم نسمع لهن (حسا ولا إنسا) في الاحتجاج على عملية الإقصاء المبرمجة هذه, و التي تمارس بحقهن إجرائيا على الأقل من قبل المرشحين من الجنس الأول. فلم تبد لنا واحدة منهن إشارة من أي نوع؛ على أنه قد خطر ببالها أن تتصل بجارتها المستقبلية في البرلمان - وفق المعول و المأمول- كي تعرفها على نفسها و تتعرف عليها, و تحاول أن تجد ربما في مرحلة لاحقة بعض مناحي الالتقاء و التقاطع, الذي قد يمهد بدوره لعقد تعاضد انتخابي من نوع ما, ينقلها و زميلتها من جولات "كسر الكعب" على الخيم و الندوات؛ إلى جولات "كسر العظم" في الاختراقات و التكتيكات, و التي تأتي عمليا في صلب أي لعبة انتخابية مفترضة.

و أيا يكن من أمر, فقد بات من شبه المؤكد أنه قد كتب على غير المطوبات حزبيا من مرشحات ما يسمى بـ(النصف الآخر للمجتمع)؛ أن يخضن غمار الدوامة الانتخابية للدور التشريعي التاسع في (منفردات) ترشيحية مزمنة, و في أحسن الأحوال كـ(صولو) لا يبدو حتى الآن أنه يطرب أحدا؛ لا بين (المسموعين) ولا بين (السمّيعة).

* قائمة الشام شذت إيجابيا متأخرا جدا و استضافت - بعد دراسة مستفيضة - سيدتين فيها, وأتى هذا على الأغلب من باب إستمالة "العصافير العشرة التي زالت على الشجرة"