تواجه إسرائيل الآن خمس عمليّات إقليمية تتطلّب إعادة تقويم لسياسة رئيس الوزراء السابق أرييل شارون القائمة على معارضة المفاوضات المباشرة الجوهرية مع البلدان العربية.

العمليّة الأولى والأكثر خطورة هي العملية الديموغرافية التي تدفع المنطقة تدريجاً نحو وضع يصبح فيه اليهود أقلّية بين نهر الأردن والبحر المتوسّط. في غياب الفصل السيادي والأمني والاقتصادي بين الفلسطينيين واليهود، ستخسر إسرائيل في غضون بضع سنوات إمّا هويّتها اليهودية وإمّا جوهرها الديموقراطي. في الوقت نفسه، فإنّ فشل خطة فكّ الارتباط في خلق واقع مستقرّ في قطاع غزّة يجعل أيّ بديل أحادي الجانب أمراً في غير محلّه.

العملية الثانية الأكثر أهمّية هي تفاقم الانقسام بين الشيعة والسنّة في العالم الإسلامي، وتداعياته الاستراتيجية المتمثِّلة بالمعارك السياسية العنيفة على هويّة البلدان الضعيفة مثل سوريا ولبنان. في هذه المعركة، يرى العالم الإسلامي في إسرائيل، على الرغم من اشمئزازه العام من مجرّد وجودها، أداةً مهمّة؛ والدليل على ذلك المبادرة السعودية من جهة ومعارضة إيران لها من جهة أخرى.

تحصل العملية الثالثة في العراق، وهي التي سترسم الحدود الاستراتيجية لاستعمال القوّة على الساحة الدولية. إنّ فشل الولايات المتّحدة في خلق نظام مستقرّ لتوزيع القوّة السياسية من خلال الحوار، وغرق العراق والخليج في الفوضى الإقليمية، سيقوّضان إلى حدّ كبير الشرعية الدولية لاستخدام القوّة كوسيلة للتعامل مع الدول المارقة. من شأن الاستقرار في العراق أن يرسّخ مقولة أنّ الجمع بين القوّة العسكرية والديبلوماسية الإقليمية ضروري لمنع إيران من اقتناء سلاح نووي.

العملية المحتومة الرابعة هي انهيار النظام والمجتمع الفلسطينيَّين. في غياب القيادة وكذلك في غياب القرار الواضح في المعركة بين العرب، ستستمرّ الساحة الفلسطينية في النزف إلى درجة لا تسمح لها بأن تكون شريكا في المفاوضات، لكن لن يصل العنف إلى درجة تبرّر تدخّلاً دولياً.

العملية الخامسة هي الاستبدال البطيء لآليّة الوساطة الفاعلة. انطلاقاً من العمليّات الأربع الأولى، تتراجع فاعلية الوساطة الأميركية - المصرية (التي كانت في أساس مفاوضات أوسلو وكمب ديفيد)، وتبرز قوّة السعودية (على الساحة الفلسطينية) وأوروبا (على ساحة لبنان - سوريا) في دور الوساطة. في سياق هذه العمليات، تولد فرص تكتيكية. تتيح اجتماعات الجامعة العربية والاجتماعات الإقليمية والمؤتمرات الدولية لإسرائيل، إذا أرادت ذلك، أن تجسّ النبض وتتبادل الأفكار وتؤثّر أيضاً في عمليّات التجدّد الإقليمية.

ما زالوا يعتبرون في إسرائيل أنّ المفاوضات الجوهرية هي "سياسة" في ذاتها، في حين أدرك باقي العالم أنّ المفاوضات هي مجرّد أداة أخرى في يد رجال الدولة، وتساوي من حيث الشرعيّة استخدام القوّة أو العقوبات الاقتصادية. إذا لم تستيقظ إسرائيل وتقدّم للعالم العربي ومؤيّديها في أوروبا والولايات المتّحدة خطّة ديبلوماسية شاملة، أي اتّفاقات مع سوريا ولبنان وفلسطين، إلى جانب إرساء نظام مستقرّ من العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية مع العالم العربي - الإسلامي، فستجد نفسها تُجَرّ من جديد إلى وسط حلبة الملاكمة الدولية. وهذه الخطّة يمكن أن تعرضها مثلاً في الرياض في نهاية الشهر الجاري شخصية إسرائيلية رفيعة المستوى ومحترمة تنوب عن رئيس الوزراء. ستكون هذه خطوة صحيحة للإفادة من فرصة تكتيكية في الرقعة الاستراتيجية المعقَّدة.

عن "هآرتس"

مصادر
النهار (لبنان)