لا يجد غسان وأحمد عناءاً يذكر في الاتفاق على مكان يقضون فيه سهرتهم، وبعد يوم عمل طويل، لم يعد هذان الشابان يقصدان، ترويحاً عن النفس، أحد مطاعم دمشق القديمة، أو طريق الربوة، أو أي من المقاهي، فمنذ أوائل الأسبوع الجاري وحتى منتصف الأسبوع القادم بات بإمكانهما، على الأقل، الاستغناء عن الذهاب إلى مثل هذه الأماكن لتوفر البديل. " هنا نجد ما هو أكثر متعة دون أن ينقصنا شيء اعتدنا تناوله في تلك الأماكن " يقول غسان، الذي يضيف ضاحكاًً " يكفي أن كل شيء هنا مجاناًَ ".

ولا يبدو أنه بحديثه هذا قد جانب الصواب ، فهذا الشاب (ثلاثون عاماً) يقضي بعضاً من أوقاته هذه الأيام في مضافة أحد المرشحين لانتخابات مجلس الشعب، وهو يحصل في كل زيارة له إلى هذا المكان، وعلى مدى ساعتين، على الشاي والعصير والقهوة المرة، و أكثر من ذلك .... على الأركيلة.

الحال هي كذلك بالنسبة لأحمد أيضاً، الذي لاحظ بعد أن أخذ نفساً عميقاً من أركيلته "وجود فرق بسيط بين الجلوس في المقهى، والجلوس في المضافة، فهناك الأجواء أكثر هدوءاً وبإمكانك أن تستمتع بصوت أم كلثوم، بينما ضجيج شباب العراضة هنا لا يسمح لي حتى بسماع حديث غسان ".

وغسان وأحمد، هما اثنين من حوالي ثلاثين آخرين تَصادف تدخينهم الأركيلة خلال تواجدنا في المضافة، عدا من دخنها قبل مجيئنا، ومن سيدخنها بعد مغادرتنا.

وقبل أسبوع على موعد الاستحقاق التشريعي، انتهى أغلب المرشحين من إقامة ونصبِ خيامهم لتكون مضافاتٍ لهم تستقبل جموع المواطنين إيذاناً بازدياد حدة المنافسة فيما بينهم، ووصولها إلى أشدها بهدف الفوز بمكان لهم تحت قبة مجلس الشعب. وباتت كثير من الساحات والأماكن حالياً "معقلاً " لهذا المرشح أو ذاك، يتوج من خلالها حملته ودعايته الانتخابية. يشير عادل (أربعون عاماً)، الذي يعمل في الحملة الانتخابية لأحد أهم المرشحين، إلى حرص الأخير على "إقامة مضافته في حارته مسقط رأسه ضماناً لالتفاف أهالي الحي حوله ومنحه دعمهم ".

هذا الكلام سيفسر تلقائياً إقامة كل من المرشحين (ن س د) و (ز أ د) مضافتيهما في منطقة الميدان، وإقامة المرشح (ب ف) مضافته في المجتهد، واختيار (ع ح) منطقة دوار المطار مكاناً لاستقبال مناصريه .

يرى عادل الذي عمل في حملتين انتخابيتين سابقتين أن "المضافة تؤمَّن لبعض المرشحين، الذين خطفتهم الأحياء الراقية، فرصة العودة إلى حيهم الأول حيث نشأوا وتربوا "، معتبراً أن " هذه العودة المؤقتة وما يرافقها من شعبية باتت هي الرافعة الأساس التي تساعد المرشح على تحقيق تقدم ملموس في الانتخابات".

بطبيعة الحال، ستختلف مضافة هذا المرشح عن ذاك، وسيظهر ترف وغنى هذا المرشح من خلال قيامه بتجهيز مضافته التي ستتجاوز مساحتها ألف متر بالقماش الفاخر، وفْرشِها بالسجاد، والكراسي المريحة الوثيرة، وإنارتها بكل ما أوتي من أضواء، عدا الثريات التي تضفي جمالية أخرى على سقف المضافة ذي الارتفاع البالغ ستة أمتار، إلى جانب استقدام عشرات العمال للقيام على خدمة الضيوف الذين عليهم فقط انتخاب المرشح صاحب المضافة يوم الثاني والعشرين من نيسان..

وسيكون وجود التلفاز بحجمه الكبير، والكاميرات التلفزيونية ضرورياً، لالتقاط ابتسامات المرشح، ونظراته المشرقة، ورصد تحركاته بين ضيوفه وترحيبه بزواره الذين تلعب نوعيتهم وأهميتهم دورها ايضاً وتنعكس على المرشح ونجاح حملته الدعائية. ومن الأهمية بمكان أن توزع في المضافة باقات الورد المرسلة دعماً للمرشح ويفضل أيضاً إبراز اسم مرسلها خاصة إذا كان هاماً ومعروفاً.

أما صور "مرشحكم لمجلس الشعب" واللافتات التي تدعو لانتخابه فمن الطبيعي أن تملأ كل شبر في "مضارب المرشح".. كل ذلك وسط العشرات من أفراد العراضة الشامية الذي أخذوا على عاتقهم مهمة الترحيب بالضيوف وتوديعهم بطريقتهم المعروفة، إضافة إلى كيل المديح لهم والثناء عليهم ووصفهم بما ما لم يوصف به أحد من رجالات التاريخ ...وللمرشح من كل ذلك النصيب الأكبر.

أحد المرشحين راقت له فكرة العراضة الشامية، فاستقدم أعداداً مبالغاً فيها كثيراً إلى مضافته، حتى أن (سورية الغد) أحصت أكثر من مائة وخمس وعشرين منهم فقط لا غير، في حين لم يتجاوز عدد ضيوفه المائة.

يُقدَّر أبو زهير الذي يشرف على إقامة هذا النوع من المضافات كلفة تجهيز الواحدة منها باكثر من مئتي الف ليرة سورية " فبعض المضافات فُرِشت بسجاد تجاوز ثمنه مئة ألف ليرة "، دون أن ينسى المصاريف التي يتوجب دفعها للعمال وفرقة العراضة وغيرها " والتي تصل مجتمعة إلى حوالي خمس وعشرين ألف ليرة يومياً ".

على الطرف المقابل، ثمة مضافات متواضعة، بـ"شادر" عادي، وعشرات من كراسي البلاستيك، مضاءة بمصابيح المئة شمعة، ولا فرقة عراضة ولا أركيلة ولا حتى ضيوف إلا بعض المقربين، وبالتالي فإن هذه المضافات عادة لا تكلف شيئاً، عدا أنها تُقام وتُجهز بمساعدة أصدقاء المرشح وأقاربه.

زينة الأضواء التي تملأ المكان، عشرات اللافتات التي تدعونا لانتخاب المرشح ومئات من صوره الموزعة هنا وهناك، الأغاني الوطنية التي تُسمع من مسافات بعيدة، صوت فرقة العراضة وهي تستقبل وتودع الزوار، الصف الطويل من السيارات الفارهة المركونة جانباً، والازدحام في السير على الطريق.... كل ذلك بعضٌ من الشواهد التي تدل على اقترابنا من إحدى المضافات "العامرة" لأحد كبار المرشحين الذي " يعرف من أين تؤكل الكتف، وضَمِنَ بهذا المشهد الدعائي الفوز بمقعد في مجلس الشعب " حسب أحد المواطنين.

هذا من الخارج، أما في الداخل فالمشهد يدمي القلب، ولا تبدو إشارة إيجابية ذلك الودَّ الزائد الذي يغدقه المرشح على زواره، مَنْ لا يعرفهم قبل الذين يعرفهم، وهو ما يعتبره عبد الله " تزلف مؤقت يزول مع إغلاق صناديق الاقتراع ولن يعود إلا بعد انقضاء أربع سنوات أخرى "

بعيداً من التعميم، فإن أغلب المضافات أصبحت، برغبة من القائمين عليها، مقهى يقدم المشروبات الساخنة والباردة، والأركيلة بنوعيها ( معسل وتنباك)، وذلك على أنغام الأغاني الوطنية الحماسية. بالتزامن مع فقدانها الحد الأدنى من ثقافة الانتخابات، وأدبياتها.

يتفق فؤاد، الذي يرتاد أحياناً هذه المضافات، مع هذا الطرح "فلن نجد فيها مكاناً لنقاش جدي يتناول مثلاً مسؤولية مجلس الشعب في الحياة الديمقراطية والعامة، أو ما يجب أن يقوم به أعضاء المجلس، فلا آراء تطرح لتفعيل عملهم بما يعود على الصالح العام بالنفع والخير، ولا اقتراحات تُقدم ليصار إلى دراستها في الدور التشريعي المرتقب". بحسرة بالغة يتنهد فؤاد، وقبل أن يفسح لي المجال بالحديث يقول " جُلَّ ما هنالك، كلام مغرِقٌ في التنظير والعموميات يلقيه المرشح على مسامع زوراه ".

لا يبالغ فؤاد فيما ذهب إليه، فكثير من المرشحين، إذا ما تكلم، خاطب زواره بعبارات أصبحت للأسف من أهم لوازم وأدوات خوض عملية الانتخاب "هدفنا مكافحة البطالة، والحدَّ من ارتفاع الأسعار، والعمل على تأمين فرض العمل للشباب، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، يجب علينا تطوير الصناعة والتجارة والسياحة والاقتصاد والإدارة والمرافق العامة وتشجيع البحث العلمي ورعاية الكفاءات ..... "

أحد المرشحين قال بعد أن هبت عليه نسمات الرمانسية " اليد الواحدة لا تصفق، قوتنا في تلاقينا، نعدكم أن نلتقي كل يوم معكم ".

أما زيارات المرشحين لبعضهم بعضاً في مضافاتهم، و"صلة الرحم" فيما بينهم فهي لن تكون أكثر من عرض هزيل للعضلات يستمر ربع ساعة هي مدة الزيارة.

فالمرشح الزائر سيعرض عضلاته بالسيارات و"الشبيحة" اللذان يرافقانه، والمرشح المزار سيستقوي بالعراضة الشامية لديه وعدد ونوعية الضيوف المتواجدين في مضافته.

أما الحديث الدائر بين المرشحين فلا تحدث، لوجود الكثير من الحرج فيه، فهو لن يتجاوز السؤال والجواب عن الحال والصحة وتقلبات الجو.

في حمأة الانتخابات هذه، برزت ظاهرة المضافات الجماعية التي تضم عدة مرشحين، والتي يُسجل لها السيد أبو عصام (خمسون عاماً) "نجاحها في إحداث تغيير في الواقع السائد " قبل أن يستدرك " مع ذلك فإن النتائج ما تزال أقل من المطلوب ".

تعرب المهندسة صفاء عن حيرتها الشديدة " فمثل هذه الأوضاع لا تساعد على التعرف على المرشح المثالي الذي يستحق صوتي، نحن لا نعرف عنهم سوى مهنتهم التي تسبق اسمهم على صورهم "، أما زميلتها هزار فتضيف مقاطعة " لا يعنيني أن يكون تاجراً أو مالكاً لمصنع، لا أريده صاحب مضافة تَبْرَعُ في تقديم الشاي والأركيلة، أريده ممثلاً لي ينقل مطالبي إلى المسؤولين بصدق وأمانة ".

لن نكون مخطئين، إذا قلنا إن درجة القطيعة بين المرشح والناخبين، وخاصة أولئك المواظبين على التواجد في مضافته، قد تصل في أحيان كثيرة إلى مستوى مقلق يجهل فيه هذا الناخب معنى أن يكون مرشحه منتمياً للفئة آ أو للفئة ب !!! بل إن الحال وصلت بأحدهم حدَّ أنه لا يعرف ما معنى أن يكون مرشحه مستقلاً !!!!