هل ستشن أمريكا حربا ضد إيران؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه علي الجميع هذه الأيام‏,‏ علي ضوء ما يجري من حشود ومناورات عسكرية وتهديدات سياسية وضغوط نفسية ومعنوية من جانب إدارة الرئيس بوش ضد نظام الحكم في طهران

والحقيقة أنه من الصعب أن يجزم أحد بأن حربا ستقع أو أن صفقة سياسية سيتم إبرامها‏,‏ ولكن الأمر المؤكد أن هذه الحشود والمناورات الأمريكية في مياه الخليج‏,‏ ليست استعراضا أجوف وإنما هي جزء من استعداد حقيقي للحرب‏,‏ أو علي الأقل ـ ربما تكون ـ أحد عناصر الأمريكي علي طهران لكسب الحرب دون حاجة لإطلاق النار‏.

بوضوح شديد أقول‏:‏ إنه مع التسليم بأن كلا الطرفين في ورطة بعد أن أخذ التصعيد والتصعيد المضاد أقصي مدي‏,‏ إلا أن الموقف الأصعب هو موقف الرئيس الأمريكي الذي ليس بمقدوره الدخول في حرب جديدة إلا إذا كانت نتائجها مضمونة بنسبة عالية جدا‏,‏ علي ضوء تردي الرعنوية في الداخل الأمريكي من جراء الإخفاقات التي لحقت بأمريكا في أفغانستان والعراق وأدت الي تراجع ملحوظ في الهيمنة الأمريكية‏,‏ وانكسار الحلم الأمريكي في استمرار الانفراد بقمة النظام العالمي وهنا أقول إن الإدارة الأمريكية ربما تكون أكثر شوقا لخوض حرب ضد إيران في إطار رهان جديد لإزالة آثار الفشل في العراق وأفغانستان‏,‏ ولكن معطيات الوضع الدولي والوضع الإقليمي والداخل الأمريكي تضع أمام واشنطن محاذير كثيرة يصعب تجاهلها

واذا جاز لي أن أحدد بعض المحاذير‏,‏ التي تجعل قرار الحرب في أمريكا قرارا صعبا برغم تشوق صقور الإدارة المحيطين ببوش لسرعة اتخاذه‏,‏ فإنني أشير الي مجموعة النقاط الأساسية التال

إن مثل هذه الحرب المحتملة ضد إيران سوف تؤدي الي تفاقم المأزق الأمريكي في العراق‏,‏ خصوصا أن طبيعة وحجم الحشد الأمريكي لا تنبئ بوجود رغبة في خوض حرب برية تحتاج الي قوات كبيرة ونفقات ضخمة‏,‏ بينما الكونجرس الأمريكي يرفض اعتماد ميزانيات إضافية للقوات الأمة في العراق ويربط موافقته بإعلان جدول زمني للانسحاب من هناك‏!

إن أي حرب تشنها أمريكا ضد إيران تعني تهديدا لمنابع البترول في المنطقة‏,‏ وبالتالي تعريض العالم لأزمة بترولية لا يريدها أحد‏,‏ خصوصا بعد الارتفاع الجنوني في أسعار البترول الذي وصل بسعر البرميل بسبب الغزو الأمريكي للعراق الي ما يقرب من‏70‏ دولارا للبرماحد‏.

إن هناك مناطق هشة في المنطقة قد يكون اشتعال الحرب الأمريكية ضد إيران بمثابة اشعال لعود الثقاب في جسدها المفكك والمنقسم من نوع الحالة اللبنانية‏,‏ التي تمسك واشنطن الآن ببعض خيوطها كورقة مساومة ومقايضة في عديد من الصفقات الإقليمية‏..‏ وأظن أن نشوب الحربي بدرجة كبيرة ضياع الورقة اللبنانية من يد أمريكا‏.

إن العامل الإسرائيلي مازال عاملا مؤثرا في صناعة القرار الأمريكي المتعلق بمعظم قضايا وشئون الشرق الأوسط‏,‏ خصوصا في ظل وجود المحافظين الجدد واستنادا الي تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر‏,‏ وربما نتذكر أن إسرائيل من قبل أن تقع تفجيرات نيويورك وواشنطن كتسعي دائما لتخريب أي احتمالات لحدوث تقارب أمريكي ـ إيراني‏,‏ وبالذات في مرحلة حكم الرئيس خاتمي وقبل مجئ أحمدي نجاد‏,‏ والضغط باتجاه تحذير أمريكا من خطر إيران بدعوي أنها تطور أسلحة نووية وتنتج صواريخ بعيدة المدي‏,‏ والزعم بأن إيران ليست جادة في إقامة طبيعية مع أمريكا‏,‏ وأنها بلد ذو وجهين‏,‏ فالمعتدلون يخاطبون الخارج بلغة الإصلاح والتحرر‏..‏ والمتشددون يخاطبون الداخل بلغة التطرف وال‏***‏ومعني ذلك أنه ربما يكون أحد أهم أسباب التردد والحيرة والتخبط في السياسة الأمريكية تجاه إيران راجعا في المقام الأول الي التضارب والتناقض الحاد بين أمريكا وإسرائيل بشأن كيفية التعامل مع نظام طهران‏.

وليس سرا أن إسرائيل تريد أن تدفع واشنطن باتجاه عمل عسكري ضد إيران يستهدف تدمير قدراتها العسكرية بمثل ما فعلت أمريكا في العراق‏,‏ ولكن يبدو أن التيار الغالب داخل الإدارة الأمريكية لا يحبذ أي تورط أمريكي في عمل عسكري ضد إيران‏,‏ وإنما يفضل الجميع صقورا وم ترك الباب مواربا لعمليات ترغيب وترهيب‏,‏ ربما تساعد الجناح الإيراني المعتدل علي تغيير سياسات طهران لكي تكون أقل عداء لأمريكا وإسرائيل

وأظن أن أمريكا أدركت بوضوح ـ ولكن بعد فوات الأوان ـ أنها عندما استجابت ـ قبل سنوات ـ لدعوات التحريض الإسرائيلي‏,‏ واعتبرت إيران جزءا من محور الشر‏,‏ فإنها قد أضعفت من قوة التيار الإصلاحي المعتدل بقيادة خاتمي‏,‏ الذي كان يدعو للحوار مع أمريكا‏,‏ وعزة التيار المحافظ المتشدد داخل إيران بقيادة المرشد العام للثورة الإسلامية علي خامنئي‏,‏ ووحدت إرادة كل فئات الشعب للتأهب لاحتمالات المواجهة مع أمريكا التي لا يتمناها أحد في العالم سوي إسرائيل واللوبي الموالي لها في واشنطن

وفي اعتقادي أن السياسة الأمريكية تجاه إيران ربما لم تحسم بشكل نهائي بعد‏,‏ وأغلب الظن أنها لن تتبلور بشكل واضح في المنظور القريب وذلك لأسباب متعددة‏,‏ بينها حدة التناقضات داخل واشنطن وطهران علي حد سواء‏,‏ وأنه علي الرغم من استمرار بعض الضجيج والتحريضران إلا أنه لا يوجد اتفاق عام داخل الإدارة الأمريكية بشأن السياسة تجاه طهران‏,‏ فضلا عن إدراك واشنطن أن اتجاهات التصعيد التي تلح عليها إسرائيل لا تلقي قبولا كافيا لدي حلفائها في أوروبا وخلاصة القول إنه اذا كان صحيحا أن شيئا ما يجري تحت السطح بين واشنطن وطهران‏,‏ لموازنة ما يجري في العلن من تحريض ووقيعة‏,‏ فإن الموقف بين البلدين سيظل محكوما لفترة غير قصيرة بضبابية تصعب معها رؤية احتمالات ال ويعزز من صحة ما أقول‏,‏ إنه اذا كان الرئيس بوش لا يقدر علي فتح جبهة جديدة في الوقت الراهن مع إيران‏,‏ بسبب تداعيات الوضع في أفغانستان والعراق‏,‏ فإن علي الجانب الآخر يقف التيار المتشدد داخل إيران بقيادة خامنئي مرتاحا لهذا الوتر المشدود‏,‏ الذي لا يد المواجهة ولا يسمح بتحقيق حلم المعتدلين في طهران‏,‏ بشأن المصالحة والانفتاح العام علي الغرب بصفة عامة وأمريكا علي وجه الخصوص‏***‏وإذن ماذا؟

إن الحديث عن الحرب واحتمالاتها وطبيعة التكتيتات والأسلحة المرجح استخدامها لا تتوافر بشأنه معلومات دقيقة ومحددة يمكن الاستناد إليها في قراءة الموقف‏,‏ لكن الحديث عن الصراع من خلال بعده السياسي يسمح بالقول بأن أمريكا كسرت بنفسها جدار العزل الذي سبق أن فرضتعلي إيران عندما ارتضت واشنطن بالجلوس مع طهران الي مائدة حوار واحدة بشأن العراق‏,‏ وفي المقابل فإن إيران برغم تمسكها بحقها في مواصلة التخصيب النووي مازالت تبدي إشارات مرونة واضحة في اتصالاتها مع أوروبا وروسيا والصين‏,‏ بهدف فتح ثغرة في جدار الأز وبرغم كل ما قلت‏,‏ فإن عقلية الكاوبوي التي تسيطر علي الذهنية الأمريكية ربما يكون لها رأي آخر بعيدا عن معطيات التحليل السياسي والاستراتيجي‏...

‏ وما أكثر ما فاجأت أمريكا العالم بقرارات حمقاء لمجرد أن تقول أنا ومن بعدي الطوف وعلينا أن نضع في الاعتبار أن سياسات الرئيس بوش في السنوات الماضية أعطت الانطباع بأن الرئيس الأمريكي ليست لديه سياسة واضحة‏,‏ وأن واشنطن تتحسس طريقها تجاه القضايا الدولية في غيبة من منهج واضح ومحدد‏,‏ وأنه يرتكز ـ فقط ـ الي انتهازية اللحظة التي تريد أن مر أجواء الانفراد الأمريكي بمفاتيح اللعبة الدولية‏,‏ من أجل فرض المشيئة وبسط الهيمنة علي الجميع دون استثناء وربما يزيد من عدم القدرة علي الفهم والتنبؤ أنه كانت توجد منذ سنوات ثمة إشارات كثيرة تشير الي أن هناك شيئا ما بين واشنطن وطهران‏,‏ ربما لا تكون خارج سياق نزعات الهيمنة الأمريكية ولكنها تعكس رغبة أمريكية في احتواء إيران بأكثر مما تستهدف مواجهتهاوعلينا أن ننتظر ما ستسفر عنه الأيام والأسابيع والشهور القادمة‏!

مصادر
الأهرام (مصر)