تساؤلاتٌ تكررُ نفسها كلَ أربعةِ أعوام في بلدنا حيث يدعى المواطنون للمشاركةِ في الاستحقاق الانتخابي و لترشيح أنفسهم لعضويةِ مجلس الشعب.

هل لنا أن نتساءلَ كمواطنين عن تعريفٍ للمجلسِ النيابيِ و عن المهمات الجسيمةِ التي ستلقى على كاهلِ أعضائهِ ، أم أن هذا المجلس سينحصرُ أداؤهُ في الأمورَ الخدميةَ كما في الأدوارَ التشريعيةَ السابقة ، و هل يجوزُ لنا التصورُ بأن هذا المجلسَ ما هوَ إلا خطوةً متقدمةً على صعيدَ مجالسِ المحافظات .

هل يجوزُ لنا أن نحلمَ أو نتوقعَ أنَ هذا المجلسَ سيكونُ ثورةً حقيقيةً في مجالِ التطويرِ و التحديثِ ترنو إليها القيادةُ لكي يأخذ فيها النوابُ دورهم الحقيقيَ في المشاركةَ في أخذِ قرارِ السلمِ و الحربِ و تحريرِ أراضينا المغتصبةَ ، أو الأخذِ بالخيارِ الاستراتيجيِ للسلام ، و هل سيكونُ هناكَ لهذا المجلسِ دورٌ في رسمِ سياسةِ البلدِ الداخليةِ و الخارجيةِ و في درءِ الفسادِ و محاسبةَ الفاسدينَ و المخربين ، انطلاقاً من مركز القوةِ و الحصانةِ التي يتمتعُ بها نوابُ الأمةِ .

لن نبحث هنا في صوابيةِ هذه الانتخاباتِ التشريعيةِ و في التصورِ أنها تحققُ ديمقراطيةَ التمثيلِ النيابي لكافةِ شرائحِ المجتمع ، حيثُ أن النتائجَ قد حسمت بشكلٍ نهائيٍ لأن قوائم القوى السياسيةَ المشاركةِ في الجبهةِ و التي يعتقدُ بوجودها على أرضِ الواقع هي المضمونةَ النجاح وهي التي تمتلكُ الأغلبيةَ في أية ممارسةٍ تشريعية ٍ في المستقبلِ .

دعونا من هذهِ التساؤلاتِ فقد تكونُ إجاباتها مؤجلةً أو غير معروفةٍ ، و اسمحوا لنا بطرحِ تساؤلاتٍ أخرى على صعيدِ المرشحينَ أنفسهم ، و قد يكونُ من المنطقيِ النظرُ إلى القوائمِ التي أتينا على ذكرها أنها تمثلُ الجزءَ المُسَيَسَ من المرشحينَ و أنها تعبرُ عن ظاهرةِ التعدديةِ التي تمثلُ الأطيافَ السياسيةَ التي تراها الجهاتُ الرسميةُ ، و رغم هذه التعددية فإن عدد المرشحين ثابتٌ مما يمنع وجود أي تنافس ما بين شرائح الجبهة فهم يمثلون لحمةً قوية تدعو لاستغراب تعدديتهم و كأنهم في نهاية المطاف ينتمون لحزبٍ واحد لا أكثر ، و مقابل ذلك يبدو أنه من الضروري أن نتعرفَ إلى تعريفِ المرشحِ المستقلِ في فقهِ السياسةِ ، سيما و أن أعداد المرشحين تفوقُ بشكلٍ لا يقارنُ من الناحيةِ النسبيةِ أعداد مرشحي القوى السياسيةِ المصرحِ لها بالنشاطِ السياسي ، فلكلِ كرسيٍ برلمانيٍ من المستقلين عشراتُ و قد يكون المئاتُ من المتنافسين ، في حينِ أن التنافسَ على كراسيِ الجبهة معدومٌ وَ قد حسمَ مسبقاً و ألغيَ و لذا انعدمت المنافسة بين الأخوةِ الجبهويين فلكل كرسيٍ برلمانيٍ مرشح واحد ، بحيثُ يمكننا المباركةُ لمرشحي الجبهةِ على نجاحهمُ المؤكدَ مسبقاً و بناءً على ذلك فإنه من المسلمات أن على من ضُمِنَ نجاحهم دونَ جهودٍ تذكر أن يردوا الجميلَ .. و يبقى في مضمارِ السباقِ أولئكَ المستقلونَ يتنافسون على ماتبقى لهم من مواقع يعلمونَ مسبقاً أنهُ قد لا يكونَ لهم فيها حولٌ و لا قوةٌ و قد لا يكونَ لهم فيها رأيٌ مسموعٌ .

بناءً على ذلك نجدُ أن المواطن الذي يسعى لممارسةِ حقهِ الوطنيِ في ممارسةِ الانتخابِ يحملُ على كاهلهِ مهمةً صعبةً ، فهوَ في عمقِ سريرتهِ يعلمُ أن قوائمَ الجبهةِ التي تم الاستفتاءُ عليها مسبقاً قد نجحت فعلاً في الانتخابِ سواءٌ انتخبها أو لم ينتخبها ، و يبقى عليهِ المفاضلةَ ما بين المستقلينَ ، و هنا تكمنُ المشكلةُ فهو لا يستطيعُ إقامةَ أيةِ معاييرَ لبناءِ قرارهِ السليمِ و المسؤولِ لاختيارِ ممثلهِ الأمثلَ و الأفضلَ ، فكلُ المستقلينَ لهم نفس الصفات فهم أبناءُ الوطنِ البررة الذين يغارون على الوطن و يفدونهُ بالغالي و الرخيص ، و لكن الحقيقةٌ المرةٌ التي تصدمُ الجميعَ أن الأخوةَ المستقلينَ ليس لهم أيُ موقفٍ أو أيُ اتجاهٍ ؟، باللهِ عليكم كيفَ يستطيع المواطنُ الوفيُ لوطنهِ أن يصنع قرارهُ و يختار ؟، لقد سلمنا جدلاً أن قائمة الجبهةَ تمثلَ الحراكَ السياسيَ و تمثلَ التعددية السياسيةَ من وجهةِ النظر الرسميةِ، هكذا يرادُ لنا أن نفهم ، أما هؤلاء المستقلون كيف ؟ يطرحونَ أنفسهم على المواطنينَ في سوقِ الانتخاباتِ الديمقراطيةِ ، و لم نشاهد حتى الآن أيَ بيانٍ انتخابيٍ يطرح فيها المرشح المستقلُ طموحاتهِ و أهدافهُ التي هي مرآةٌ لتطلعاتِ الجماهيرِ و طموحاتها سوى كلماتٍ ضبابيةٍ لاتسمنُ و لا تغني من جوع ، و لابدَ هنا من التساؤلِ ما الذي يدفعُ هؤلاءِ السادة لتجشم هذه المصاعب و تحمل إمكانياتِ الفشلِ ، هذا عدا عن النفقات الباهظةِ التي يتحملها كلُ مرشحٍ مستقلٍ ، أليسَ من الأجدى لهؤلاء أن يكونَ لهم موقفٌ و مشروعٌ وطنيٌ يطرحونهُ على المواطنينَ ليسهلوا عليهمُ اتخاذ قرارهم و ممارسة حقهم الانتخابيِ بقناعةٍ و أمانة.

كيفَ يطلبُ من المواطنِ بناءَ قرارهِ الحرِ الشريفِ في ممارسةِ حقهِ الانتخابيٍ و علام يعتمدُ في بناءِ قرارهِ ؟ هل على اسمِ المرشحِ أو اسمِ عائلتهِ أم على صورتهِ في الاعلاناتِ فهناكَ المبتسم ،و هناكَ المتجهم ، و هناك حبيبُ الشباب ،و هناك مرشح الحلويات ، و هناكَ الاعلامياتُ الجميلات ، و هناكَ الغنيُ و الفقير، كلهم يسعونَ للوصولِ إلى قبةِ البرلمان و لو على حسابِ بعضِ الممارسات الغير مهذبةِ فهذا يلصقُ صورهُ فوقَ صورِ ذاك ، و هذا يمزقُ لافتاتٍ و صوراً معلقةً للآخرينَ في ظلمةِ الليل لتعلقَ لافتاتهُ و صوره ، و كلٌ يسعى لخدمةِ الوطن من وجهةِ نظره ، و يبدو أن حيتان المرشحين توصلوا إلى طريقةٍ مثلى لكسبِ ودِ المواطنين فهؤلاء يدعون الرياضيين و رواد النوادي للموائدِ السخية و قد يقومون بما هو أكثر من ذلك ؟ وهم فعلاً قد وضعوا جماهيرَ النوادي الرياضيةَ في حرج غيرِ مسبوق ، حيث أن معظم المرشحين المتمكنين مارسوا هذه الفعالية و لم تعد حكراً على واحدٍ فقط و أصبح على هؤلاء المدعوون رد الدين على مبدأ طعمي الفم تستحي العين ؟. لا بد من الاعتراف بأن هذا العرس الوطني يبقى له فوائده التي يجني منها العديدُ من الفعاليات فمن بائعي القماش إلى بائعي الدهان إلى الخطاطين و الوراقين و المطابع إلى عمالِ الورش الذين يقومون بتعليق اللافتات و الصور ، إلى الشبيحة و هذه مهنةٌ مستحدثةٌ و هي المجموعات التي تتعهدُ بإزالةِ الصورِ و اللافتات تحت جنح الظلام في الشوارع ، و قد عاتبتُ أحد المرشحينَ الدراويش لأنني لم أشاهد لهُ أيَ صورة ، فأقسم أنهُ لم يشاهد أي صورةٍ له استقرت في مكانها أكثرَ من ساعةٍ أو ساعتين ، كيف نتكئ على هؤلاء المرشحين ؟ .

أعذرونا أيها المستقلونَ ، لم تدلونا على الطريقِ لبناء قرارنا كمواطنين كي نمارسَ حقنا بأمانةً و ننتخبَ منكم الأصلحَ و الأنسب . و ما دمتم هكذا فإننا قد لا نجدُ في نفسنا حاجةً لتحملِ هذه المسؤولية و ممارسةِ هذا الحق ، و قد نصل للقناعة بعدم جدوى الممارسةِ الديمقراطية التي يرادُ لنا أن ننعم في ظلها . كلمةٌ أخيرةٌ لا بد من تردادها الشام الله حاميها.