تجري الإنتخابات الرئاسية الفرنسية يوم 22 ابريل-نيسان 2007، وإذا لم يحصل أي مرشح على الأغلبية المطلقة (50 بالمائة +1) فإن دورة ثانية تتم بعد 15 يوما أي يوم 6 ماي-أيار ، بين المترشحين المتقدمين على غيرهما. أما الإنتخابات التشريعية فإنها ستجري في شهر جوان-حزيران، في دورتين كذلك. المدة النيابية للرئيس ونواب البرلمان هي 5 سنوات. للترشح للإنتخابات الرئاسية لا بد من توفر جملة من الشروط أهمها وأصعبها الحصول على مساندة 500 رئيس بلدية من 30 محافظة مختلفة، تودع لدى المجلس الدستوري المخول للنظر في صحتها وصلاحيتها. يبلغ تعداد سكان فرنسا 62 مليوناً منهم 40 مليون ناخب. بلغ عدد المترشحين 12، يعرف منهم الجمهور خارج فرنسا من هم أوفر حظاً للتواجد في الدورة الثانية وهم:

ـ نيكولا ساركوزي، وزير الداخلية الذي لم يستقل من منصبه إلا في الأسبوع الأخير من مارس وهو يمثل اليمين التقليدي ـ فرانسوا بايرو، وزير سابق للتعليم ويمثل "اليمين الوسطي" أو الديموقراطية المسيحية سابقا ـ سيغولان روايال، وزيرة سابقة وتمثل الحزب الإشتراكي ـ جان ماري لوبان، وهو مؤسس ورئيس "الجبهة الوطنية" أي اليمين المتطرف ـ فيليب دو فيلييه، ويمثل كذلك الجناح الأرستقراطي الريفي من اليمين المتطرف، تحالف سابقا مع وزير الداخلية الأسبق "الديغولي" شارل باسكوا ـ ماري جورج بوفيه، وزيرة الشباب والرياضة في حكومة ليونيل جوسبان، أمينة الحزب الشيوعي الفرنسي ـ جوزي بوفيه نقابي عن الفلاحين الصغار وناشط في حركة مناهضة العولمة مستقل ولا يعرف له انتماء حزبي ـ دومينيك فوانيه، مرشحة عن حزب الخضر، كانت وزيرة في حكومة ليونيل جوسبان ـ مرشح من جمعيات الصيادين والأوساط الفلاحية التقليدية المحافظة ـ ثلاث مرشحين تروتسكيين عن "عصبة الشيوعيين الثوريين"(أوليفييه بيزانسنو) وعن "كفاح عمالي"(آرليت لاغيييه) وعن "حزب العمال".

المرشحون الأربعة الأولون لهم حظوظ التواجد في الدورة الثانية والبقية تطمح للحصول على نسبة تمكنهم من تعزيز مواقعهم أو للتفاوض مع حلفائهم في الإنتخابات القادمة سواء كانت التشريعية القريبة أو البلدية في السنة المقبلة أو غيرها من المحطات التي تتطلب تحالفات يفرض فيها البعض شروطهم، انطلاقا من الوزن الإنتخابي لكل شريك.

رغم انطلاق الحملة بشكل مبكر، وبالرغم العدد الوافر للمرشحين فإن الحملة لم ترتق إلى حد صياغة برامج مختلفة توضح الفرق بين هذا المرشح أو ذاك من اليمين أو من اليسار، مما جعل 60 بالمائة من الناخبين يصرحون قبل شهر من موعد الدورة الأولى بأنهم لم يجدوا فرقا بين اليمين واليسار، و46 بالمائة لا يعرفون بعد لمن سيصوتون، وقبل أسبوع واحد من الموعد فإن نسبة الثلث ما زالت مترددة.

لم تنل اهتمامات المواطنين حظها من النقاش قضايا: الشغل، السكن، التأهيل، الفقر المتزايد... الخ. أما عن القضايا الدولية فحدث ولا حرج، بما في ذلك القضايا الأوروبية التي أصبحت شأنا داخليا، فإنها لم تجد لها مكانا في الحملة الإنتخابية. المرشحون الأوفر حظا للفوز بالرئاسة أو للتواجد في الدور الثاني ينتمون لنفس الطبقة ويدافعون على نفس المصالح مع فروق طفيفة. أما البقية، بمن فيهم مرشحة الحزب الشيوعي فإن حظهم من وسائل الإعلام ضئيل جدا قبل انطلاقة الحملة الرسمية التي يحظى فيها الكل بنفس الوقت. أما قبل انطلاق الحملة الرسمية فقد استأثر ساركوزي ب77 مداخلة في وسائل الإعلام مقابل 45 لسيوغولين روايال مثلا، لأن أصدقاءه مزروعون في مختلف المحطات والصحف. اتفق مرشحو اليمين (بتلاوينهم) والحزب الإشتراكي على عدم تسوية وضعيات المهاجرين غير القانونيين والتشدد في قبول مهاجرين جدد من أفريقيا وبلدان "الجنوب" بشكل عام، إلا إذا كانوا من ذوي الإختصاصات النادرة، كما اتفقوا على الحلول ذات الصبغة الأمنية (البوليسية) لمشاكل الشباب والبطالة في الأحياء الفقيرة وضواحي المدن الكبرى. ولم يقدم هؤلاء أي برنامج يمكن أن يحل أو يخفف من مشاكل البطالة والسكن.

بالنسبة للسياسة الخارجية فهي الغائب الأكبر في هذه الحملة رغم مشاركة الجيوش الفرنسية في احتلال أفغانستان وتدريب قواة الجيش والشرطة العراقية وتواجد القوات الفرنسية في العديد من الدول الأفريقية، ووقوف فرنسا في مقدمة الدول التي تهدد سوريا والسودان (وإيران بدرجة أقل)، فإن هذه المواضيع غائبة تماما عند كل المترشحين. أما القضية الفلسطينية فإن نيكولا ساركوزي يعتبر مرشح الصهاينة، وهو الأكثر قربا من المحافظين الجدد بأمريكا وإيديولوجيتهم، فقد زار الكيان الصهيوني 3 مرات منذ الصائفة الماضية (ولم يزر أبدا الأراضي المحتلة سنة 1967 ) وتحدث أمام أكبر لوبي صهيوني في العالم ("آيبيك" في أمريكا) وهو أول من أرسل برقية مساندة لرئيس وزراء الكيان الصهيوني في اليوم الأول من العدوان على لبنان. وقد أصدر الكيان الصهيوني طابعا بريديا على شرفه، بتمويل خاص من جمعية صهيونية. تليه في الصهينة مرشحة الحزب الإشتراكي (تقليديا كان الحزب الإشتراكي الفرنسي أكثر حزب متصهين في فرنسا حتى قبل 1948) التي "تفهمت جدوى الجدار المقام على الأراضي الفلسطينية" (وهي في هذا تردد ما قاله قبل سنتين برلمانيون وشخصيات من الحزب الإشتراكي وحزب الخضر الذين نوهوا "بهذه الوسيلة السلمية والحضارية لحقن الدماء") ووصفت حزب الله بالإرهاب وقررت أن ليس لإيران الحق في امتلاك الطاقة النووية ولو لأغراض سلمية. واتفق المرشحون على مقاطعة حماس حتى وإن انتخبها سكان الضفة الغربية وقطاع غزة.

أما عن الوضع الداخلي فإن سيغولين روايال تقترح أن يتولى الجيش "الإهتمام" بالشبان القاصرين الذين يحدثون الشغب (وهي ابنة ضابط عسكري ولدت بالمستعمرات أثناء خدمة أبيها هناك) كما اتهمت المدرُسين بالكسل... الخ من التصريحات والمواقف التي لا تمت لليسار والتقدمية بصلة. أما مرشحو الحزب الشيوعي واقصى اليسار (الترسكيون) وجوزي بوفيه، فإنهم دافعوا باحتشام عن المهاجرين وعن الفلسطينيين (في حدود 1967 طبعا) في المرات القليلة التي سألتهم فيها بعض الجمعيات لمعرفة موقفهم. كما دافعوا عن علاقات أكثر عدلا بين الشمال والجنوب، وأثاروا بعض القضايا الإجتماعية كالبطالة والطرد الجماعي والتفاوت المجحف في المداخيل، والأجور المتدنية للملايين من "العاملين الفقراء"، ولكن ذلك حصل في اجتماعات صغيرة أو في أحاديث تلفزية أو إذاعية إستغرقت ثوان معدودة.

خلاصة الأمر أن الحملة باهتة جدا وغلبت عليها المظاهر والطابع الشكلي والشخصي في غياب القضايا التي تشغل بال الرأي العام الداخلي والخارجي، واكتفى المرشحون بالتعليق على الأحداث اليومية والرد على بعضهم والرد على الرد الخ. نالت المظاهر كاللباس والهيئة، حظها من الحديث والتعاليق وترك المرشحون جانبا البرامج والمقترحات العملية التي يجب أن ينتخبهم على أساسها المواطنون. كما غاب المثقفون الذين يستحقون هذه التسمية من الحملة الإنتخابية، ولم نسمع صوت الفئات التي ستكون ضحية وكبش فداء مهما كان الفائز: العمال، الشباب، المهاجرون، العاطلون وذوو الدخل المحدود... الخ.