لعل الحب أغلى ما نملك في حياتنا الهزلية هذه، والعشق أسمى نعمة يهبها الرب لنا في أيامنا القاحلة. حب من أجل الحب، عشق من أجل الحياة. هكذا وجدناها في قصائد، وأشعار أسلافنا. لكن!!! في زمننا هذا تحول الحب إلى مطية لاستجرار الغايات الرخيصة في زمن فشل العاشق في بناء علاقة حب حقيقة مع عشيقته.

كان والدي يستمع معي إلى أغنية تراثية يغني فيها الفنان الكردي خليل غمكين أغنية " تعالوا نقطف الورود" في نهاية الأغنية أطلق خليل غمكين صوته في موال ترنحت الكلمات عندما خرجت من حلقه الكئيب سرد فيها اسم "مطران عيسى" فقال والدي: صاحبك هذا لا يعرف غناء موال "مطران عيسى".

قلت بالعكس خليل غميكن من الأصوات الكردية الحنونة، والعريقة. قال لا أقصد بأن صوته ليس جميلاً، بل هو لا يغني كما سمعتها من الفنانين الكرديين العريقين حسن جزيري، ومحمد عارف جزيري. قلت: وهل هذه الأغنية قديمة لهذه الدرجة؟ قال: سمعتها أول مرة بصوت هذين الاثنين فابحث عندك قد تجدها. قلت: ما اسم الأغنية؟ قال: موال "مطران عيسى". بحثت في أرشيفي الموسيقي المتواضع لهؤلاء الفنانين القدامى كلهم، وبعد جهد جهيد حصلت على مرادي، ووجدت موال "مطران عيسى" بصوت الفنانين حسن، ومحمد عارف جزيري.

ناديت والدي قائلاً: وجدت صاحبيك، وهما يغنيان أغنيتك الجميلة.

قال: أسمعني ما وجدت.

بدأنا الاستماع لمحمد عارف جزيري، وهو يغني الموال الذي يحكي قصة حب نادرة الحدوث في هذا الزمن، زمن تحولت فيه كل كلمات، وقصائد العشق إلى مقاطع لرسائل إلكترونية، أو قصاصة رسالة خلوية. الحب الذي انتقل من صفاء كمياه الينابيع إلى أكثر شيء نتن يباع، ويشترى لمن يدفع الأكثر. حب فقد لذته فصار كصبار في صحراء قاحلة، رغم أنه عادة يخضر الربيع في عيون عاشقين، وحبيبين.

الموال يسرد حكاية عاشقين "علي" المسلم، و"مريم" النصرانية، في غياهب زمان قديم يعود لأكثر من مائة سنة يخطف فيها علي محبوبته، ولا يجد مقصداً له للفرار بحبه سوى دير قديم على ضفاف بحيرة "وان" في كردستان تركية اسمه "اختومار" ويلتجأ دخيلين على المطران عيسى.

علي ينادي ربان زورق صغير، ويتوسله أن يوصله إلى ذلك الدير، فيصل مع حبيبته إليه، يجد المطران عيسى في نوم عميق منادياً إياه ثلاث مرات: أيها المطران أفق من نومك العميق، فعلت شيئاً رديئاً، قمت ما لم يفعله أحد من قبلي. أيها العزيز لقد خطفت خطيبة والي "وان" فقم واعقد قراننا على دين المسيحية، وإذ لا تقبل على المسيحية فاعقد قراننا على الطريقة الإسلامية. المطران عيسى يفيق من نومه العميق، ثم يقول يا علي ما أنت بفاعل الرذيلة، لكن!!! لن أفعل ذلك، ولا أبطل الشريعة لست أنا من يرخص دين محمد في فناء هذا الدير من أجل امرأة نصرانية. من يقصد دير "اختومار" أقسمت بنور عيسى أن لا أرد مراده حتى، ولو على قتل نفسي. مكرراً لن أرخص دين محمد في فناء هذا الدير سأجلب آيات الله، ورسوله، وأهبك مريم يا علي يا من قصدت المطران، وألبسها الإشارب.

في هذه الأثناء قصد الوالي المطران عيسى مناجياً إياه قائلاً: رأيت في حلمي ليلة أمس زوجين من الحمام طارا إليك داخلين ديرك، سلمني علي، ومريم أهبك ألف كيس من الذهب، قالها الوالي بحزم. لكن!!! أمام بوابة دير" اختومار" وضع المطران عيسى كميناً، ورد عليهم قائلاً: أنا بطل من الأبطال، ولا تخيفني كل رجالاتك أيها الوالي، لن أسلم، لن أسلم، لن أهين دين محمد في فناء الدير سآتي بآيات الله، ورسوله، وأمام عينيك أعقد قران مريم على علي، ولن أنهي معركتي معك.

كر، وفر، حوار، وقتال بين الوالي، ورجالاته، وبين المطران عيسى، وعلي. لم تهزم جيوش الوالي الجرارة إنسانية، وشجاعة المطران عيسى هذا البطل الذي خط اسمه بأسمى آيات الشجاعة، والبطولة، والكبرياء، ولم يتنازل لجبروت الوالي، ورجالاته منتصراً في النهاية مهدياً للحياة عبرة نادرة الحدوث في زمن كالذي نعيش فيه الآن. أين نحن من أخلاق، وبطولة رجل دين مثل المطران عيسى؟

هل نستطيع أن نكرر ما فعله هو؟ متحدياً كل التقاليد، ورامياً خلفه كل الأحقاد مبتكراً طريقة جديدة للحب تستحق أن تسمى... الحب على طريقة المطران عيسى.