في نهاية الأسبوع الماضي، أتممت أنا -وزميلي "جو سيستاك" السيناتور "الديمقراطي" من بنسلفانيا- رحلتي الخامسة إلى العراق. وليس لدي ما أقوله بعد العودة من هناك سوى أنني أشعر بالإحباط والقلق في آن معاً. والسبب في ذلك هو أنني أرى أننا لازلنا نخاطر بأرواح جنودنا في العراق، دون أن نمنحهم سياسة واقعية جديرة بتضحياتهم... وبالنسبة لي كمحارب قديم في فيتنام فإن هذا الشعور يبدو مألوفاً لي على نحو غريب.

ولو كان النصر في العراق يتعلق بالعزيمة، وقدرة جنود الولايات المتحدة وموظفيها المدنيين فحسب، لكنا قد نجحنا في خلق عراق مطمئن ومستقر... غير أن الواقع في ذلك البلد -للأسف الشديد- هو أننا وبعد مضي أربع سنوات كاملة، لازلنا القوة المحتلة للبلد فحسب دون أن يكون لنا دور في تقرير مصير العراق، والذي سيقرره أهله بأنفسهم، والذين أتمنى لهم من صميم قلبي أن يتمكنوا من الوصول إلى اتفاق. غير أنه يتعين عليَّ القول أيضاً إننا لا زلنا حتى الآن نتخذ القرارات الرئيسية، ونمسك بزمام الأمور عسكرياً في معظم المناطق الحرجة من البلاد، كما لازلنا قادرين على شراء الوقت للحكومة العراقية حتى تقوي شوكتها، لكن هذا الوقت -للأسف- قد أوشك على النفاذ.

والدلائل على ذلك يمكن رؤيتها في كل مكان... فقد قال لي كبار القادة الشيعة إنهم ما فتئوا يتشككون في نوايا السُّنة، كما أنهم يسخرون من الجهود الإيجابية التي تبذل لإعادة إدماج شخصيات بعثية منتقاة -كانت مسؤولة عن إدارة البلاد سابقاً- في الحكومة والحياة العامة، ويصفون تلك الجهود بأنها لا تزيد على كونها مجرد محاولات "استرضاء". فضلاً عن ذلك، اقترح القادة الشيعة والأكراد علناً الاستمرار فيما يعرف بـ"حل 80/20" الذي يعني أن يحكم الشيعة والأكراد الذين يشكلون 80% من إجمالي سكان البلاد، دون وضع اعتبار للأقلية السُّنية التي تشكل 20% من العدد الإجمالي للسكان، والتي اعتادت الهيمنة على العراق.

لم يتحدث لنا أحد في بغداد تقريباً عن استخدام نتائج الانتخابات التي جرت في الأقاليم العراقية هذا العام للمساعدة على إدخال السُّنة في الحكومة الوطنية. وقد وافق محافظ الأنبار التي يتخذ منها تنظيم "القاعدة" في العراق قاعدة له، على أن الأمن قد تحسن مؤخراً فيها، لكنه عبّر عن قلقه من أن المحافظة تكاد لا تحصل على شيء من الحكومة المركزية في بغداد، وهو ما جعل معظم المواطنين في تلك المحافظة بدون وظائف ولا كهرباء ولا مياه شرب نقية ولا صرف صحي.

بيد أن هناك بعض المجالات التي تحقق فيها تقدم يجب أن نعترف به في العراق. ففي محافظة الأنبار أوضح لي القادة الأميركيون النجاح الذي حققوه في تخفيض عدد الهجمات التي تشنها "القاعدة"، وكذلك إشراكهم للزعماء المحليين في تسيير الأمور في المحافظة على اعتبار أن ذلك كان هو العرف السائد منذ مئات السنين. وإذا كانت الأخبار الطيبة مختلف عليها، فإن الأنباء السيئة تبعث على الانزعاج الشديد حقاً. فخلال الأسبوعين الماضيين فقط، تعرض المئات من العراقيين للذبح في بغداد، كما تعرض مطعم مجلس النواب العراقي لهجوم بواسطة انتحاري، وتم نسف جسر تاريخي فوق نهر دجلة... والشيء الذي يبعث على التشاؤم أن معظم أعمال العنف هذه قد حدثت في المنطقة التي نشرت فيها الولايات المتحدة والعراق 80 ألف جندي من قوات الأمن.

إذن ما العمل؟ يجب أن نبدأ بمحاولة فهم ما يجري فعلاً في العراق. فحسب تقييم الاستخبارات الوطنية الأميركية، الذي نشر في فبراير الماضي، فإن الصراع هناك قد تحول إلى "صراع طائفي يغذي نفسه، بين الشيعة والسُّنة"، كما أنه يتضمن أيضاً "عنفاً يمارسه الشيعة ضد الشيعة". ومعنى هذا أن العراق قد أصبح فريسة لحرب طائفية معظمها مدفوع بواسطة المليشيات الشيعية أو السُّنية -وليس بواسطة إرهابيي "القاعدة"، وهذه نقطة لم يكن خطاب إدارة جورج بوش واضحاً بشأنها على نحو كافٍ. والنقطة الثانية، أن الاحتلال الأميركي لا يمكن أن يوقف الحرب الأهلية في العراق، ولذلك فإن الحل الوحيد والدائم لمحنة العراق، سيأتي عبر حل سياسي وليس عسكرياً.

هنا يأتي السؤال: كيف يمكن لأميركا أن تؤثر على العراقيين وتقنعهم بتسوية خلافاتهم، على الأقل بدرجة تكفي لتشكيل نوع من الحكومة المسؤولة؟ أولاً، يجب أن نعترف بأنه لا يوجد لدينا سوى خيارات جيدة قليلة في العراق، لأننا نتعامل هناك مع ديناميات يقع معظمها خارج نطاق سيطرتنا.

ثانياً، يجب أن نبذل قصارى جهدنا للتشجيع على التوصل إلى إطار أمني إقليمي شامل يتضمن إشراك سوريا وإيران. ومؤتمر الأمن الإقليمي المزمع عقده في مصر الشهر القادم، يمثل فرصة يجب ألا تفلت من أيدينا في هذا الشأن. ويجب أن نعرف أننا لا نستطيع أن نحل مشكلاتنا في العراق بأنفسنا، وإنما يجب أن نعمل بدرجة أقرب من ذي قبل مع حلفائنا الشرق أوسطيين، وهو ما يعني العمل على التعامل مع ذلك الإدراك شبه الشامل السائد في الشرق الأوسط ومؤداه أننا نفرض إرادتنا على المنطقة فرضاً من أجل تحقيق أغراضنا الذاتية.

ثالثاً، وفي الداخل الأميركي، يجب على الإدارة والكونجرس أن يفكا الاشتباك بينهما حول مسألة تمويل وجودنا في العراق. ويجب إفهام العراقيين أن الالتزام الأميركي بتقديم القوات والأموال للعراق، ليس التزاماً ممتداً بلا نهاية.

إنني لا أحب أن أقيد سياستنا حول الحرب بالشروط والجداول الزمنية، لأننا بحاجة الآن إلى سياسة تتميز أول ما تتميز بالمرونة. ولكن تلك الشروط والجداول الزمنية في الحقيقة ليست سوى بعض الروافع القليلة للغاية والتي لا تزال متاحة أمام أغلبية الكونجرس وأمام الشعب الأميركي، بعد أن فقد الاثنان معاً الثقة في سياسة الرئيس. يجب علينا أن نعرف أن الاستمرار في فقدان دعم الشعب الأميركي سيعني أن الخيارات المتاحة أمامنا اليوم في العراق ستتلاشى، وأنه يجب علينا العمل على تكوين نوع من التوافق بين الحزبين، لوضع شروط مسؤولة عن تمويل النفقات العسكرية للولايات المتحدة استباقاً لوقت قد نجد فيه أنفسنا دون خيارات.

لقد عدت من رحلتي الخامسة إلى العراق بانطباع واحد مؤكد، وهو أن الحكومة العراقية يجب أن تمسك بزمام المبادرة في العمل من أجل التوصل إلى تسوية سياسية، لأنه بدون تلك التسوية السياسية، سيظل الوضع في العراق دون تقدم، بصرف النظر عن الأرواح التي نبذلها، وبصرف النظر عن الأموال التي ننفقها من أجل ذلك. وفي مثل تلك الحالة فإننا سنكون قد قمنا بإهدار مواردنا وجهودنا، وتقويض مصالحنا في الشرق الأوسط، والمساهمة -دون قصد- في إنتاج عالم أكثر خطورة.

*سيناتور "جمهوري" من ولاية نبراسكا الأميركية

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)