ليس مفاجئاً أن يكون اتفاق مكة وحكومة الوحدة الفلسطينية التي نشأت في أعقابه أمراً مغيظاً في نظر اسرائيل. فالمعارك الاخيرة عديمة الجدوى هي دليل معروف على السياسة الاسرائيلية في المسألة الفلسطينية. غير أن التآكل في المقاطعة لحكومة الوحدة الفلسطينية، التي لعلها تكون الحكومة الاكثر شعبية في الشارع الفلسطيني منذ العام 1993، يتعاظم في الغرب.

فرضية أنه يمكن عزل حماس، منعها من حقها في الحكم، والحديث فقط مع "المعتدلين"، والتوقع من حماس ان تقبل ذلك والا تمارس قوتها التدميرية لعرقلتهم، هي فرضية مدحوضة. فلشدة المفارقة، فان القاسم المشترك بين اسرائيل وحماس اكبر مما يبدو في النظرة السطحية. ففرصة ان تنشأ تسوية دائمة من الحوار المباشر مع زعيم م.ت.ف، محمود عباس، تقترب من الصفر. وعندما سيتضح الامر، وتبحث اسرائيل عن خشبة انقاذ كي تعود الى فكرة فك الارتباط عن الضفة الغربية، سيكون من المشكوك فيه أن يتوفر لها شريك فلسطيني اكثر ملاءمة من حماس. فحماس، مثل اسرائيل، ليست ناضجة للمساومات التي تفترضها التسوية الدائمة. تسوية انتقالية بعيدة المدى غير محتملة الا معها، وليس مع م.ت.ف .

انتقال حماس الى السياسة البرلمانية هو جزء من مسيرة تجتازها اليوم حركات عديدة من التيار المركزي في الاسلام الاصولي والتي تسعى الى الانقطاع عن الجهاد العالمي من تأسيس القاعدة والانخراط في الهامش السياسي في بلدانها. في مصر هذا هو اتجاه الاخوان المسلمين، وهكذا تعمل ايضا "جبهة العمل الاسلامي" في الاردن، حزب النهضة في تونس وحزب العدالة والتنمية في المغرب.

الولايات المتحدة بالفعل تنتصر في حربها من أجل الديمقراطية العربية، ولكنها ترفض قطف الثمار لان النمط الجديد للتعددية السياسية الاسلامية لا يتناسب ووهم الديمقراطية الليبرالية التي باسمها سعت الى تغيير وجه الشرق الاوسط. الغرب، واسرائيل من ضمنه، والحكام العرب ربيبيه، ملزمون بان يفهموا بان الصراع بين الاسلامي السياسي والانظمة المحافظة ليس بالضرورة لعبة نتيجتها الصفر، اتفاق مكة ليس موضوعا هامشيا ولا حدثا عابرا ومصادفا. يدور الحديث عن خطوة تأسيسية، في تصميم نمط جديد وثوري لتقاسم السلطة بين الاسلام السياسي والانظمة العلمانية في العالم العربي. حماس لن تكتفي بحكومة تحت الاحتلال. هدفها هو احتلال م.ت.ف من الداخل وخلق توازن آخر بينها وبين القوى الوطنية العلمانية الفلسطينية.

هذا كفيل بان يكون النهج ايضا في اماكن اخرى. في المغرب أوضح محمد السادس أن في نيته تصميم "حل وسط تاريخي" مع الاسلام السياسي، في ضوء امكانية انتصار حزب العدالة والتنمية في الانتخابات في حزيران هناك. نموذج الوحدة الوطنية الذي نشأ في مكة هو الحاجز في وجه حرب اهلية في السلطة الفلسطينية. اما في الجزائر فان "ميثاق السلام والمصالحة الوطنية" في شباط 2006 فقد تبلور كأداة لانهاء الحرب الاهلية المضرجة بالدماء، التي نشأت عن رفض حق الاحزاب الاسلامية في تحقيق انتصارها في انتخابات 1991.

محاولة سحق الاسلام السياسي، مثلما يسعى لعمله الرئيس مبارك من خلال الحظر الذي فرضه مؤخرا على نشاط الاحزاب ذات الطابع الديني، لن يؤدي الا الى تعميق الغضب الجماهيري، وسيعيد الاحزاب الاصولية الى الارهاب والعمل الاجتماعي. استقرار الانظمة العربية التي لا تستند الى الاجماع الديمقراطي محكوم بان يكون مضللا وهشا.

الحوار مع الاسلام السياسي، حماس كمثال، هو ضرورة لا غنى عنها. اما النبذ والمقاطعة، كما ثبت في الجزائر فهما وصفة للكارثة. وفتح المجال للنشاط السياسي الشرعي للاحزاب السياسية الاسلامية، بما في ذلك الاعتراف بحقها في الحكم، هو السبيل لتشجيع الاعتدال. وعليه فان التحدي لا يكون في سحق الحركات الاسلامية - الوحيدة القادرة على الادعاء بدعم شعبي أصيل في العالم العربي - بل بتثبيت انتقالها الهش من الجهاد الثوري الى سياسة المساومات.