من الصعب الاحاطة بظاهرة عزمي بشارة الكبيرة. فهو فيلسوف، موسوعي، سياسي، برلماني، روائي، رؤيوي، صاحب مشروع وطني، سريع الرد على الاحداث الطارئة المستجدة.. باختصار انسان متعدّد المواهب.

لا اعرف، اذا كانت مقدمة كتاب "التنوير" (ستة مقالات عن التنوير والحداثة) التي كتبها الدكتور عزمي بشارة قد ترجمت الى العربية، لان هذه المقدمة تدلّل وتوضّح عالم هذا الفيلسوف الديمقراطي التنويري الحداثي خير توضيح. والى جانب المقدمة الضافية في الكتاب هناك مقالات عن التنوير لعمانوئيل كانط وجان دالامبير وموشي مندلسون وماكس هوركهايمر وميشيل فوكو ويورجن هابرماس. كتاب يجيب عن كثير من الاسئلة التي تدور اليوم.

في سنة 1993 اجري يوم احتفالي للبرفيسور يشعياهو ليبوفيتش في "سينماتيك" بالقدس. ولتقديري الكبير للمرحوم ليبوفيتش ومواقفه الجريئة وتواضعه ذهبت وكنت واحدا من الحضور الذين غصت بهم القاعة. كان ليبوفيتش يجلس مع زوجته في الصف الثاني بين الحضور مستمعا، وكان بين حين وآخر يسأل المحاضر اسئلة محرجة. اما المحاضرون، فكان هناك فلاسفة ومثقفون كبار ورجال فكر وادب ومسرح. وكان من المحاضرين د. عزمي بشارة. ودار الحوار عن دور المفكر في مجتمعه. ولقد قدّم عزمي مداخلته ، فكانت عميقة متميّزة مثيرة للجدل المثمر الغني، وكان عزمي كعادته متألقا. بعد انتهاء الاحتفال قالت لي منظمّة اليوم التكريمي ان مداخلة عزمي كانت افضل المداخلات.

الهجمة اليمينية على عزمي بشارة (لقد امتلأت الصحافة العبرية باصوات يمينية قاسية جدا. ومن المقالات القليلة اليسارية التي قرأتها في جريدتي "يديعوت احرونوت" و"معاريف" كانت لـ "ب . ميخائيل" ويارون لندن وغيرهما) ليست على شخصه، بقدر ما هي محاولة للنيل من كل ما يمثلّه من فكر ورؤيا. فلقد استطاع عزمي بشارة بنشاط وموهبة ان يستثمر كل طاقاته ومقدراته ومواهبه، التي قلما تجتمع في شخص واحد، وان يعمل على تعميمها ونشرها، لدرجة ان كل الخطاب السياسي في البلاد تغيّر مكتسبا عمقا جديدا. في اكثر من مقابلة أخيرة أبدى الدكتور عزمي حماسه للاستقالة من الكنيست والانصراف الى الكتابة الأدبية والفكرية (لقد نشر حتى الآن اربع روايات). نأمل ونصلّي ان تزول كل العوائق وان يحظى الدكتور بالهدوء وان يشرع في تحقيق مشاريعه الادبية والفكرية التي قد لا تقل اهمية عن كل ما قام به حتى الآن.

•كاتب فلسطيني من الجليل. •عن موقع امين http://www.amin.org/look/amin/artic...