"الطائفية" لعنةٌ تلاحق أجيالنا في لبنان، ومن هذه الطائفية يتفرع داءٌ أشد خطورة هو "المذهبية"، وكل هذه الآفات باتت تهدد اليوم حاضر ومستقبل الوطن. الطائفية شرٌ ووبالٌ على المجتمع، شرٌ يهدد ليس فقط السلم الأهلي والاستقرار الداخلي، وانما وجود الكيان برمته، والطائفية هي الظاهرة الأشد خطراً على سلامة المجتمع ووحدته وتقدمه، لأنها تغلق كل آفاق التقدم والتطور وترهن حركة الناس والأجيال في قوالب جامدة، وتحنِط المجتمع في شرنقات الانقسام والتجزئة والصراعات التي لا حدود لها، والحروب الداخلية التي لا آفاق لنهايتها، وهي الى ذلك تضيّع كل الجهود والطاقات والامكانات التي يزخر بها المجتمع وتعطل فاعليتها لأنها تبعثرها في زوايا الانتماءات الضيقة بدل أن توظف في خدمة المجتمع، كل المجتمع، والوطن كل الوطن، والدولة كل الدولة.

الطائفية نقيض الحرية لأنها تصادر قرار الأحرار في كل الطوائف، وتمسخ فكرة الحرية وتشوهها عندما تحصرها في اطار الطائفة أو المذهب.

الطائفية نقيض الوحدة الوطنية الحقيقية لأنها تلغي فكرة الانتماء الى الوطن وتلغي فكرة "المواطنة"، والمواطنة هي أساس الوحدة الوطنية وقاعدة الانتماء الى الوطن. الطائفية هي التي تعيق بحق بناء الدولة لأنها تجافي فكرة المواطنة وفكرة الانتماء المباشر الى الدولة، وتجعل الانتماء اليها يمر عبر الدوائر الوسيطة التي يقودها الاقطاع الطائفي والمالي المستبد، والمتسلط على القرار الحر للمواطنين بما يلغي حرية الخيار لديهم، و يؤدي بالتالي الى مصادرة حقهم في التعبير الحر عن آرائهم وقناعاتهم في المسائل الوطنية ويلغي مسألة "التنوع ضمن الوحدة".

الطائفية تفرمل حركة تطور المجتمع لأنها تجعل من مقولة "التوازن الطائفي" القاعدة التي ترتكز عليها الحياة الوطنية العامة بدءاً من العناوين الكبرى وصولاً الى التفاصيل المتعلقة بحياة الناس، وتصبح تلك المقولة هي الأساس في تسيير شؤون الدولة، والتوازن هو "الأكذوبة الكبرى" التي تنفي حقيقة "المجتمع الواحد" و "الوطن الواحد"، لأن التوازن يكون – عادةً- بين أجسام مختلفة تتصارع في ما بينها أو تتوازن، بينما المجتمع هو في حقيقته جسمٌ واحد، يحيا حياة واحدة وتحكمه دورة حياتية اقتصادية اجتماعية واحدة تنمي لدى أبنائه الشعور الوطني، والحس بالانتماء الوطني الى المصير الواحد تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، اضافة الى ذلك فان لعبة "التوازنات" لعبةٌ دقيقة وخطيرة تعطل الحياة وتخلق المشاكل والأزمات عند كل خللٍ وعند كل مفترق، وتنسف في أغلب الأحيان استقرار المجتمع وسلامه مع نفسه، وكل من يرصد مسار هذا الكيان السياسي منذ نشأته الى اليوم، يرى -بأم العين- أن الطائفية هي مصدر كل الشرور اذ أنها تستولد باستمرار الفتن الداخلية والحروب الأهلية، والأخطر من ذلك أنها شكلت على الدوام المنفذ للسيطرة الأجنبية والمعبر للأجنبي ليحكم سيطرته ويخضع الأمة بأسرها من البوابة اللبنانية وعبر خاصرتها الرخوة.

فهذا ما حدث في العام 1840 و هذا ما جرى في العام 1860، وهذا ما تحول اليه الوضع خلال أحداث العام 1958 وهي أي –الطائفية- وفي جانب أساسي المسبّب للحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 16 عاماً، والأغرب من هذا كله نجد أن الطائفيين مختلفون على كل شيء، فهم مختلفون حول كل القضايا المتصلة بالداخل اللبناني وحتى المتعلقة منها بصراعات المنطقة، فهم مختلفون على مرسوم التجنيس وعلى تمثيل المغتربين، وحتى على بلدية بيروت، هاجسهم دوماً بدعة "التوازن الطائفي" في الوظائف والمواقع والادارات، ولكن متفقون على نقطة واحدة وهي أنهم يلعنون الطائفية في العلن ويمارسونها في الخفاء.

الطائفية – أيها الأحبة - علة كل العلل. وفي لبنان الطائفية كلها شر، وأدهى ما في هذا الشر هو عجز اللبنانيين عن مواجهته، أو تجاوزه، أو بالحد الأدنى، الحد من آثاره المدمرة، وقد أمسى هذا "النظام الطائفي" عاجزاً على تأمين الحد الأدنى من استقرار أهلي وشعبي منشود.

ان أسوأ ما في الطائفية أن الطائفيين يتنكرون لها في الخطب والتصاريح، ويسلكون طريقها دون خجل أو وجل. كما أن اللاطائفيين - باستثناء قلة منهم - يكتفون في عملية محاربتها بأن يرجموها بمحاضرة أو ندوة أو يشتمونها بمقالة أو دراسة ومن وقت لآخر يشنون عليها حملة هجاء تنتهي بتنظيم مؤتمر أو إصدار بيان، ثم تستكين القوى اللاطائفية مكتفية بالكلام لرفع العتب وكأنها أدت قسطها من تلقين الطائفية درسا مفيداً، لكنه على الأكيد غير مجدٍ، لأنه مجرد تكرار ممل لأطنان مما كتب في الطائفية منذ قرن ويزيد.

الطائفية في لبنان ترتفع وتيرتها وتستعر نارها ويقوى تأثيرها وفعلها، كما يتراجع دورها ويخمد لهيبها ويضعف وهجها لأسباب متنوعة، منها ما هو داخلي يمس مباشرة التركيبة اللبنانية السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والتربوية، ومنها ما هو خارجي له علاقة بالصراع العربي الإسرائيلي وتنامي التيارات السلفية في المنطقة فضلا عن التدخلات الدولية وتفاعلاتها.

غالبا ما يتم التركيز على العوامل اللبنانية لنشوء المسألة الطائفية واستمرارها ، وأحيانا كثيرة تُجهل العوامل الخارجية والإقليمية في ترسيخ الطائفية ودعم مقوماتها. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى أبرز المؤثرات الخارجية والداخلية التي تذكي الطائفية والتي رصدناها مؤخرا، وهي التالية:

1- توطيد «الدولة اليهودية» في فلسطين غلّب الطابع الديني على الصراع العربي الإسرائيلي، كما أن مطامع إسرائيل التوسعية في المنطقة وتدخلاتها، وما نتج عنها من رهانات خاطئة أججت النزاعات «الاقلوية» والفئوية، وأشعلت نار التعصب الطائفي بهدف تبرير مشروعها الثيوقراطي بقيام دولة دينية تكون نموذجاً لدول طائفية أخرى.

2- تنامي الحركة السلفية و«الطوائفية» والمذهبية في المنطقة وتغليبها الطابع الديني على صراعها ضد الاستعمار، والحملة الدينية التعبوية التي تشنها ضد "الصليبية" دون تمييز بين استعمار جديد يتوسل المسيحية الغربية غطاء لأطماعه، وبين مسيحيين شرقيين هم في طليعة ضحايا مشاريع هيمنة الغرب، كما كانوا من أوائل ضحايا الحملات الصليبية الشهيرة. وهذا الطابع الديني للصراع ضد الاستعمار له انعكاسات على الساحة «الطوائفية» اللبنانية لجهة توليد مشاعر الخوف والحاجة إلى الاستقواء والحماية وتأجيج الغرائز الطائفية العدوانية. والنزاعات الطائفية والاعتداءات ذات الطابع المذهبي والطائفي لا تمر من دون أن تترك آثاراً سلبية على الساحة الطوائفية في لبنان، وآخرها على سبيل المثال، الاعتداءات التي طالت بعض المسيحيين في العراق، كما أن الصدامات بين أطراف سنية وشيعية في العراق تركت أصداء في النفوس، سراً وعلانية، وعلى صفحات بعض الصحف.

3- تصاعد الحرب الأميركية على «الإرهاب» أوحى بعداء الغرب المسيحي للدين الإسلامي. وهذا العداء توسل مقولة «صراع الحضارات» كوجه آخر لصراع الأديان وذلك من أجل تغطية أطماع الولايات المتحدة الأميركية التوسعية ومشاريعها للهيمنة على العالمين العربي والإسلامي، والتفرد بإدارة العالم. وهذه الحرب التي تشنها أميركا ضد «الإرهاب الإسلامي» تنعش العصبيات الطائفية في لبنان، وتضع بعض الأطراف الطائفية في حيرة وريبة بين الانحياز لأميركا للتخلص من التطرف الإسلامي، الذي قد يطالها، وبين العداء لأميركا دون ضمان اتقاء «شر» الحركات السلفية الظلامية التي لا تميز بين أعداء أميركا وبين من هم خارج «دار السلام».

4- الطائفية في لبنان لم تعد مقتصرة على النزاع بين «طوائفيتين» مسيحية ومحمدية، لأنه في الواقع اللبناني يوجد تنافس ومزاحمة بين مذهبيات إسلامية ومذهبيات مسيحية، وأحيانا كثيرة تكون حدة الخلافات والتجاذبات بين مذهبية إسلامية وبين مذهبية إسلامية أخرى، أو بين مذهبية مسيحية ومذهبية مسيحية أخرى، أشد حدة من الخلافات بين مذهب إسلامي ومذهب مسيحي آخر. كما أن المشاحنات والصدامات التي تحصل بين المذاهب المختلفة داخل الدين الواحد، على امتداد العالمين العربي والإسلامي، لها انعكاسات سلبية على الساحة الطائفية اللبنانية.

5- إن الطائفية والمذهبية التي برزت في لبنان ونمت وأصبح لها نظام سياسي يقوم على أساسها باتت نموذجاً تقتدي بها دول المنطقة.

لقد ارتكز النظام الطائفي في لبنان على «نظرية التعددية» والتي أعطي لها ضمنا صفة «الدينية» أو «الطائفية» أو «الاتنية» فغدت مقولة سائدة في النظريات السياسية المتداولة في أكثر من منطقة عربية، خاصة في الجزائر والسودان ومصر والعراق الذي اعتمد مؤخراً في تركيبة مجلس الحكم الانتقالي على المحاصصة الطائفية وعلى التوازنات الطوائفية الإتنية المذهبية.

6- الطائفية والمذهبية في لبنان تنمو اليوم وتزدهر وتستمر في ظل نظام اقتصادي سياسي تربوي «مخلع» ومفكك يقوم على أرضية مجتمع مقسم على طريقة «البازل»، حيث القاعدة موزعة على كونتونات مذهبية وغيتوات طائفية.

قوة المذهبية ليست مستمدة فقط من النظام السياسي الطائفي، بل من بنية تحتية مذهبية تشمل السكن والمدرسة والعمل ومختلف مرافق الحياة.

لذلك لا يمكن تجاوز الطائفية أو الحد من تأثيرها قبل قيام نظام اقتصادي يعتمد أساساً على الإنتاج وتفعيل دورة الحياة الواحدة على مستوى المساحة العامة للوطن مما يعزز الاندماج الوطني، والاختلاط بين مختلف الطوائف والمذاهب والفئات، ويعتمد على خطة واحدة للتنمية الشاملة المستمرة بهدف إعادة الاعتبار للمدينة، حيث التداخل والاختلاط والاندماج والمشاركة في السكن والعمل والعلم والحياة، بعد أن غيبت المدينة وألغيت من قاموس التحضر وتم ترييفها بعد أن حصل إفراغ الريف بالنزوح والهجرة.

7- المذهبيات في لبنان لها مرجعيات روحية خارج حدود الدولة، منها يتبع الفاتيكان وروسيا ومنها يتبع قم ومكة والأزهر والنجف وغيرها. والصراع الذي ينشب أحياناً بين هذه المراكز الدينية ينعكس سلباً وإيجاباً على أبناء هذه المذاهب في لبنان. 8- هذه المذهبيات وهذه الطوائف ليست كتل تاريخية متماسكة موحدة الموقف السياسي والتوجه العام. المتعصبون طائفيا ومذهبيا لا يرون في الطوائف والمذاهب الأخرى إلا أعداء في صف واحد، كما يطمسون أي خلاف أو تباين داخل جبهتهم الطائفية والمذهبية، بينما دراسة موضوعية لتاريخ وواقع الطوائف والمذاهب تبرز وجود تناقضات عائلية ومناطقية وطبقية وسياسية داخل صفوف كل طائفة ومذهب، وهذه التناقضات تعنف أحيانا في لحظات الحسم كما يجري أحيانا أخرى التستر عليها، وتغييبها من أجل وحدة الطائفة المزعومة.

9- من مرتكزات المذهبية والطائفية في لبنان ارتفاع بنيانها على أساس «مجتمع أهلي طائفي».

إن حركة المجتمع المدني تشق طريقها بصعوبة من أجل بناء مؤسسات مدنية فعلياً، أي غير طائفية أو مذهبية وغير ميليشيوية وغير نفعية أو فردية. المجتمع المدني الحقيقي الذي يضم مواطنين من مختلف الطوائف والمذاهب مغيب والمواطنية فيه متعثرة دونها عقبات وحواجز وجدار طائفي ومذهبي بغيض، يفرق بين المواطنين ويهدد وحدة المجتمع بالتجزئة والانقسام والتفرقة.

10- العلة في لبنان أن الطائفية والمذهبية تغزو المجتمع والإنسان، بعدما تفشت في دوائر الدولة ومؤسسات النظام على مختلف المستويات، وهي الآن تحتل معظم الساحات حيث أصبحت المؤسسات الخاصة ومؤسسات المجتمع ذات لون طائفي ومذهبي غالب من المصرف إلى المستشفى، مروراً بالإعلام والجامعة والمدرسة والمعمل.

فالطائفية وباء ينتشر أفقياً وعاموديا ولا خلاص منه إلا ببناء إنسان ومجتمع ونظام غير طائفي.

11- بعدما وصل «نظام الطائف» الطائفي إلى طريق مسدود لم يعد مجدياً الدعوة إلى تطبيقه، خاصة بعد أن استنفد غرضه الأساسي بإيقاف الحرب وعجزه عن إيجاد آلية لإلغاء الطائفية السياسية كما هو متداول اليوم في الإعلام وفي الندوات والمؤتمرات، بينما المطلوب هو بناء نظام جديد يلغي الطائفية ويتجاوز مخلفات الحرب الأهلية، وذلك يستوجب اعتماد الوسائل الديمقراطية من أجل إطلاق حركة تغيير في حياتنا السياسية والاقتصادية والتربوية والإعلامية، تبدأ بثورة ثقافية ضد الطائفية.

كم نحن بحاجة إلى «مرصد ضد الطائفية» يسلط الضوء على التصريحات الطائفية والسلوك الطائفي ويفضح زيف الخطب التي تتظاهر بالوطنية المزيفة، وهي فعليا طائفية ومذهبية مبطنة.

... لننقذ لبنان من الطائفية، حتى لا يبقى فريسة للحروب الطائفية المستمرة.

لكل هذه الأسباب نعتبر أن الطائفية هي اعلان حرب على سلامة الوطن ووحدة المجتمع وانسانية المواطن في تهديد السلم الأهلي والامان العام وحركة النهضة والعمران وبالتالي تحويل المواطن الصالح الى كائن عنصري مفتن وقاتل.

لذلك نعلن الثورة على الطائفية ومشتقاتها المذهبية والقبائلية وااخواتها من اداة الفتنة والحروب الأهلية والاقتتال المدمر.

وندعو الى تأسيس حركة جديدة برنامجها الأساسي ومهامها الأولى مواجهة الطائفية وتغيير الأسس التي تقوم عليها والأسباب التي تؤدي الى نشوئها واستمرارها. كما نعمل على اطلاق خطة من اجل بناء انسان جديد يعي مخاطر الطائفية ويعمل على تغييرها من خلال عقلنة واعية والالتزام بتفكير وطني مجتمعي وسلوكي عملي مناقض للطائفية وتجلياتها فهو يناضل اولاً لتغيير النفسية الطائفية في ذاته الواعية من خلال التربية.

ونعمل ايضاً على تغيير النظام الطائفي واستبداله بنظام مدني يمهد الطريق امام مجتمع مدني.