(إلى فاروق مردم بك.. نحن المحكومين باليأس)

اذا اتفقنا، انه منذ عام ,2000 ظهر الى الوجود ما يمكن تسميته المعارضة السورية، بغض النظر عن ان البعض يعتبر هذه المعارضة كانت موجودة في حالة بيات سياسي، في الفترة التي بدأت بأحداث نهاية عقد السبعينيات من القرن المنصرم، ولم تنته حتى أواخر عقد الثمانينيات المشؤوم، والتي نتج عنها دخول سوريا في الطور الأمني وعدم استطاعتها الخروج منه لليوم.

اي اذا اتفقنا ان المعارضة السورية بحلتها الجديدة، قد ظهرت عند تسلم الرئيس بشار الأسد سدة الحكم في سوريا، وإلقائه خطاب القسم في: 10/7/,2000 الذي فسّر خطأ ام صوابا بأنه رغبة في فتح باب الحوار، ودعوة لمشاركة اوسع، في تلمس، ومحاولة ايجاد الحلول لخروج سوريا من واقعها: (فساد الاداري وجمود الاقتصادي وتصحر السياسي) المتفق آنذاك، من قبل كل الاطراف، على حاجته لرؤية جديدة ومنهاج جديد. وما تبع الخطاب من بيانات، اولها بيان التسعة والتسعين مثقفا سوريا (27/9/2000)، وتشكيل لجان المجتمع المدني، وانتشار المنتديات العلنية، وظاهرة كتابة المقالات السياسية في الصحف اللبنانية، وعلى شبكة الانترنت... وهو ما اطلق عليه اسم: (ربيع دمشق)، وكأن من أطلقه كان يعلم اي فصل خاطف سيكون عليه هذا الربيع!. وبغض النظر ايضا عن صحة تفسير خطاب القسم، وصحة فهم المرحلة المفصلية التي مرت بها سوريا في عام ,2000 حيث يرى البعض بأنها ما كانت سوى مقطع طولي من طريق مستقيم يوهم تلويه بالانعطاف، أخذ فيها النظام ما يلزمه من الوقت، ليعيد انتاج نفسه، ولضبط شيء مما اعتراه من اختلال التوازن بسبب غياب مؤسسه وعماده، الذي رغم توقعه، جاء وكأنه قبل موعده.

وإذا اتفقنا، ان هذه المعارضة بما هي عليه، من قلة العدد، اولاً: حيث تتكون من بقايا احزاب وتجمعات سياسية، اغلبها انشقت عن أحزابها الأم المشاركة في الجبهة الوطنية التقدمية بقيادة حزب البعث الحاكم، وهي محظورة رسميا، ولو بتفاوت نسبي، وقد تم اعتقال وملاحقة اعضائها طوال الفترة التي ذكرت. يردف هذه المعارضة السياسية فئة من المثقفين، دفعهم تصديقهم ان الحكم الجديد عاقد العزيمة على إجراء الاصلاحات والتغييرات، لدخول معترك السجال الفكري والسياسي في ما حصل ويحصل، مؤكدين على دور الثقافة الحقيقي في اي مجتمع حي، وبأنهم فعلا (مثقفون)، الصفة التي شكك باستحقاقهم لها كل من ساءه تدخلهم في الشأن العام، دون ان ينتبه الى انهم بهذا، يقدمون الدليل على ان المجتمع السوري ما زال مجتمعا نابضا بالحياة، خلاف ما يردده اعداء النظام عن قيامه بتصحيره. ثانياً، وأعود الآن لتوصيفي حال المعارضة، لاصل الى اهم نواقصها على الاطلاق، وهو وهن رابطها الاجتماعي، وخاصة في فئة الشباب ذات الحصة الاكبر في الهرم السكاني، وبالتالي عدم قدرتها تمثيل، ما كانت تدعيه، من رغبة كامنة لدى عموم الشعب السوري في التغيير والاصلاح. وبذلك تعطي هذه المعارضة الصورة المثلى للنخبة السلبية، النخبة غير الفعالة وغير المؤثرة، بسياسييها الذين جاءوا من أحزاب ذات ايدولوجيات يسارية وقومية مهزومة، متنكبين على أكتافهم كل تاريخهم المأزوم. ومثقفيها اولئك الذين، من وجهة نظر مختلفة، ليسوا سوى حاملين لأفكار مغايرة عن مجتمعاتهم، وتصورات ارادوية، رغبوية، باتجاه مجتمعات اخرى تطورت في سياقاتها الخاصة، عابرة مراحل تاريخية دفعت استحقاقاتها الباهظة (الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية) كاملة.

أقول اذا اتفقنا، كليا او جزئيا، وحتى اذا لم نتفق على الاطلاق، ان ذلك الحراك السياسي والثقافي الذي اتصف به المشهد السوري خلال السنوات الست الاخيرة، كان يشكل معارضة، وان هذه المعارضة كبنية وفاعلية كانت تقارب، ولا اقول تطابق، الاسم، فهذه المعارضة... انتهت.

يستطيع اي متتبع للوضع السوري، ان يلاحظ بسهولة ان المعارضة السورية، هي اليوم في حالة أسوأ بكثير من الهزال والسقم (حسين العودات: (ظلم ذوي القربى) ـ تركي علي ربيعو: (المعارضة السورية إذ تنكفئ على نفسها) ـ ياسين الحاج صالح: (المعارضة الديموقراطية السورية في أزمة...). ولا يتردد المرء كثيرا في اطلاق حكم: (إنه ما عاد هناك معارضة سياسية في سوريا).

وإن الباقي من آثارها، مقالات وبيانات في أراشيف المواقع الالكترونية، وأخرى ما زالت تكتب من الحين والآخر، ما هو إلا ذيول لذلك الزخم الثقافي والفكري الذي عمّ سوريا خلال السنوات الست تلك. فما عاد هناك منتديات عامة، وحتى منتدى جمال الأتاسي في دمشق، اخر منتدى سوري له صفة المعارضة، وكان يقال انه مستمر بموافقة الرئيس الأسد بالذات، اغلق. وما يسمى لجان المجتمع المدني، اودع اهم ناشطيها السجون، على دفعات، ليكونوا عبرة لمن يعتبر، ثم انقسموا، ثم انفرط عقدهم. وعملياً، اعلان دمشق لم يسفر عن شيء. وتوقفت الاعتصامات، بعد ان تكسرت العصي على رؤوس المعتصمين. وابطل المثقفون السوريون عادة إصدار الإعلانات والبيانات، مضيعين فرصة دخولهم كتاب (غينيس) للارقام القياسية، ما عدا البيانات المؤيدة للمقاومة والشاجبة لاميركا وإسرائيل والعولمة والليبرالية والشرق الأوسط الجديد، فكان اعلان بيروت دمشق ـ دمشق بيروت، آخر البيانات التي تمادت بطريقة او بأخرى، وتدخلت في قضية تخص السلطة، دون سواها، وهي العلاقة بين الشعبين الشقيقين السوري واللبناني!. وهو الاعلان الذي دفعت المعارضة السورية ثمنه باهظا، فبحجته سددت لها السلطة الضربة القاضية، مع ان المباراة، كانتت منتهية، باتفاق جميع الحكام والمراقبين، بالهزيمة المؤكدة بالنقاط، وليس من حاجة للنظام للافراط في استخدام القوة. ثم لوحق الناشطون في جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان ولجان العمل الوطني التي تشكلت جميعها دون تراخيص رسمية، وصلت هذه الملاحقة المكثفة احيانا الى مستوى جلسات الحوار الاسبوعية ونصف الشهرية والسهرات التي يغلب عليها التباين في الآراء اكثر من الاتفاق، والتي تعطي صورة مشرقة لحالة الوئام والوحدة الوطنية التي يحيا بها الشعب السوري، وكل ما احتاجته السلطة لتحقيق هذا الانجاز، هو استدعاء عدد من هؤلاء الحكواتيين الى فروع الأمن، وإفهامهم، بالعربي الفصيح، ان الوضع بات لا يسمح بأشياء من هذا القبيل، وأنه لا مجال بعد اليوم للتسامح وغض النظر اللذين اتصفت بهما السلطة واجهزتها الأمنية سابقا..

وهذه المرة تم حقا التقيد بالخطوط الخمسة الحمراء التي بطريقة او اخرى تم تعميمها على الجميع.. خط أحمر، الاتصال مع الخارج. فصار السفر الى لبنان، الذي ما عاد شقيقا، مثار ريبة واستفسار الجهات الأمنية والادارية ايضا. فلبنان يحكم من قبل فريق يجاهر بعدائه الصريح لسوريا، ولا يجد احد زعمائه مستقبلا افضل للشعب السوري من دعوة الولايات المتحدة الى غزو واحتلال بلده! وإلى ان يخرج نواف غزالي آخر ليغتال رئيسه!؟.

وغير ذلك مما هو غير لائق بأي فريق سياسي، وما من غاية له، سوى اخراج النظام السوري عن طوره ودفعه لاقامة القطيعة الكاملة بين البلدين. (هذا الأداء الذي كان له، باعتقادي، تأثير سلبي، إن لم اقل، كارثي، في ما آل إليه مصير المعارضة السورية). خط احمر، التعامل مع كل من يمثل، او يمكن ان يمثل تيارا دينيا إسلامياً في الداخل او الخارج. خط احمر، الاعتصامات ولو كانت مؤلفة من ثلاثين مواطنا لا اكثر، عزلا من كل شيء، حتى من الهتافات واللافتات. (علما بأن ماركس خط احمر، اي التماس مع الناس. خط احمر، التطاول على كل ما هو يخص النظام، باعتباره رمزاً للوطن، او يمثل وحدة الوطن، خط احمر، احمر جدا، اي تناول لدور الجيش السوري وقدراته. خط أحمر، حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي تنص المادة الثامنة في الدستور السوري، بأنه قائد الدولة والمجتمع. خط أحمر بيانات المثقفين، لا مقالات سياسية مباشرة او غير مباشرة، (ـ: هل تريدنا ان نعود للزنزانات!؟).

لا استضافات او ظهورات خاطفة في البرامج السياسية بالفضائيات العربية. لا مواقع الكترونية تتطرق للشأن العام من داخل سوريا او من خارجها، فحجبوا ما حجبوه منها، واستغرب لماذا لم يحجبوها كلها!؟ ربما لانها اكثر ما ساعدت، الجهات الأمنية في الكشف عن الذين لم يصدقوا هذه الخطوط الحمراء، وفي هذا برهان كاريكاتوري لمقولة رولان بارت: (لا يمكن للكتابة السياسية إلا ان تدعم المخابرات). فلم يفهموا أن الشأن العام هو شأن خاص بالسلطة وحدها. وهؤلاء، منهم من اكتفي بتهديده وإخافته، ومنهم من سرح من عمله في الدولة، ومنهم من اعتقل وأودع السجن، ومنهم من أحيل الى المحاكم بأنواعها، وما زال ينتظر صدور الحكم ليحسب كم من السنين سيقدر له ان يعيش بعد انقضائه.

هذه المعارضة... التصالحية ـ الاصلاحية (عفا الله عما مضى)، العلنية ـ المكشوفة، الواقعية ـ المعتدلة النابذة لكل دعوات التطرف، العزلاء ـ المسالمة الرافضة لكل أشكال العنف، المثالية لدرجة الطهرانية كما وصفها البعض، التي اعترفتم، أنتم قبل غيركم، بأنها معارضة وطنية، واعتبرتموها المثال الصالح للمعارضة، وخاصة تلك التي اختلقتها الولايات المتحدة الاميركية، وأرادت لها ان تسير على هدى المعارضة العراقية في آخر عهد صدام حسين. هذه المعارضة الوطنية التي لم تجدوا يوما ما تأخذونه عليها سوى استعجالها تحقيق الاصلاحات والتغييرات، متعللين بظروف طارئة خارجة عن ارادتكم، لا تساعد، برأيكم، سوى على إبطائها وتأجيلها، فأنتم أيضا تعملون لأجل تحقيقها، وعندما لم يعط المفكر طيب تيزيني في حوار له على قناة (المستقلة) أكثر من مدة شهر لقيام الحكم بعمليات الاصلاح، أجابه محاوره بأن مدة شهر لا تكفي لإصلاح بيت، فكيف لإصلاح بلد!... بلد حاله كحال سوريا!؟ هذه المعارضة التي واجهت محاولات التشكيك في وطنيتها وتخوينها، بمطابقة خطابها السياسي والاجتماعي مع خطاب السلطة، إلا في بعض التفاصيل الاجرائية. والتي نجحت، من بين الأشياء القليلة القليلة التي نجحت بها، في ان تكون دليلا، استخدم لدرجة الاهتراء، لدحض الحملات الاعلامية ضد سوريا، وما يروج عن سوريا في الخارج. تلك الحملات والادعاءات التي أدت، منذ سنتين، الى إصدار الكونغرس الاميركي قانون معاقبة سوريا، وصدور عدة قرارات من مجلس الأمن ذات المحتوى عدائي تجاهها، كما حالت دون قبولها كشريك في السوق الاوروبية، والتي تلوكها السيدة كوندليسا رايس في كل مرة تريد الظهور بمظهر المهتم بسوريا وبالشعب السوري، الذي يستحق، على حد قولها، الحياة الحرة الكريمة، كتلك التي قدمتها بلادها للشعب العراقي!؟.

نعم للأسف للأسف، لم يكن الاعتراف المرحلي والعرضي بهذه المعارضة سوى لاستخدامها كشاهد خجول على ان في سوريا، ديموقراطية (على طريقتنا)، وحياة سياسية (كما يناسبنا)، وأحزابا ناشطة خارج دائرة السلطة (على قدنا)، ومعارضة وطنية متنوعة (تعارض بعضها أكثر مما تعارض أي طرف آخر)، يمكن للمشككين بوجودها، الالتقاء ببعض ممثليها، في مقهى الروضة او نادي الصحفيين او كافتريا الهافانا، لا على التعيين، متمتعين بحريتهم الكاملة، برشف القهوة السادة، والدخول في جدال حاد مع الشعراء والفنانين، في مصير الدراما التلفزيونية السورية، والتهافت غير المفهوم على كتابة المسلسلات الدرامية، وان هناك لجانا وجمعيات مدنية (ترفض، بسبب عنادها الأخرق، تسميتها أهلية)، ومنتديات عامة مفتوحة للجميع، يحتل مقاعدها الأولى الموالون للنظام، ومقاعدها الخلفية عناصر الأمن، على أنواعهم، وهناك حرية التعبير عن الرأي (الموافق)، وثلاث أربع صحف ومجلات تتباهى كل منها بالادعاء أنها أول... سياسية مستقلة منذ أربعين عاما!؟. هذه المعارضة... بفضلكم، بفضل وطنيتكم، بفضل إخلاصكم وتفانيكم، بفضل حرصكم وغيرتكم على سوريا، أرضا وسماء وبشرا وتاريخا وهوية ومستقبلا، تم القضاء عليها... انبسطوا!

مصادر
السفير (لبنان)