أدار الخبير الاقتصادي والمعلق السياسي في صحيفة «يديعوت أحرونوت» سيفر بلوتسكر، ندوة صحافية جمعت أربعة من الباحثين في التاريخ والعلوم السياسية والاجتماعية بقصد قراءة الانقلاب الذي طرأ على إسرائيل بعد حرب العام .1967 وسمى بلوتسكر تلك الحرب بأنها «حرب الانقلاب» لأنها وضعت إسرائيل للمرة الأولى أمام الأسئلة الأشد مصيرية وأمام القضايا الحقيقية.

حضر الندوة، إضافة إلى بلوتسكر، كل من المؤرخين بيني موريس وميخائيل أورن والبروفيسور في العلوم السياسية شاؤول مشعل والبروفيسور في علم الاجتماع عوز ألموغ. وقد حاولوا في البداية الإجابة عن سؤال: هل كان يمكن تجنب حرب العام 1967؟

يشير بلوتسكر إلى أن المشاركين قالوا إنه «كان بالوسع، على وجه العموم، منع الحرب لأنه في كل لحظة كانت توجد خيارات معقولة أكثر لوقف التدهور لم تُطبق ميدانيا وأكثرها في الجانب العربي». ويقول المؤرخ البروفيسور بيني موريس «كانت الحرب بدرجة كبيرة ثمرة أخطاء وتقديرات خاطئة متبادلة. لكن في الظروف التي نشأت فيها في المدة في أيار وحزيران ,1967 أصبحت الحرب في الواقع حتمية».

واعتبر موريس أن نقطة اللاعودة تم تجاوزها بخطاب الرئيس المصري جمال عبد الناصر في قاعدة أبو صوير الجوية في 20 أيار 1967 حين أعلن انه «لن نسمح أبدا لعلم اسرائيلي بأن يمر في مضائق تيران». قال عبد الناصر وأضاف متبجحا كعادته «اليهود يهددون بالحرب. حسن وجميل، إذا نقول لهم: أهلا وسهلا!». فوجئت إسرائيل بـ«أهلا وسهلا» من عبد الناصر؛ وقبل ذلك بيوم، قدرت الجهات الأمنية الإسرائيلية أن عبد الناصر يعمل «على أساس عقلاني»، وأن إغلاقه للمضائق سيكون «مخالفا لكل منطق». لكن عندما أُغلقت المضائق المؤدية إلى إيلات، حُسم الأمر. قال رئيس الأركان اسحق رابين «أصبحت هذه منذ الآن حربا على أن نكون أو لا نكون».

ويبين المؤرخ الدكتور ميخائيل أورن أن «حرب الأيام الستة نشبت في سياق مواجهة متصلة النزاعات بين الدول العربية وإسرائيل، وبين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وبين البلدان العربية وبعضها البعض التي حظيت بتسمية الحرب العربية الباردة، أنشأت جوا قابلا للاشتعال لا مثيل له لم يُحتج فيه إلى أكثر من شرارة لبدء عملية تصعيد بلا لجام».

يقول عوز الموغ «إن الحتمية، والقدر التاريخي لحرب الأيام الستة، مصدرهما جوهر النزاع الإسرائيلي العربي. هذا نزاع بين ثقافات متناقضة تناقضا تاما، ولهذا فإنه شبيه بجبل بركاني نشيط ينفجر من آن الى آخر؛ توجد انفجارات نتائجها طفيفة وتوجد انفجارات تهز الأرض وتحرك طبقاتها. وكانت حرب الأيام الستة كذلك». يقول باحث القومية الفلسطينية البروفيسور شاؤول مشعل «أرى تشابها بين بدء حرب الأيام الستة وبين بدء الانتفاضة الثانية، لم يُرد الجانبان الحدثين لكنهما حدثا رغم ذلك». من المذنب؟ يقرر مشعل، هي «القيادة التي لم تعرف كيف تضبط الرأي العام المتحمس. إن أسوأ شيء بالنسبة للشرق الأوسط عندما يأسر الشارع قادته».

اتفق المشاركون الأربعة في الندوة على أن أكبر تغيير أحدثته حرب الأيام الستة والذي لم يكن ليحدث لولا الحرب، هو وضع القضية الفلسطينية على رأس الاهتمام العربي العام. ويقول أورن «في أعقاب الحرب «وجد 1.2 مليون فلسطيني في الضفة، وفي غزة وفي إسرائيل، انفسهم تحت سلطة واحدة، السلطة الإسرائيلية. هذا التوحد الفلسطيني عجل إنشاء الوعي القومي الفلسطيني».

ويقول موريس «استوعب الفلسطينيون سريعا صدمة الهزيمة وأدركوا انه لا يوجد ما يعتمدون عليه من النظم العربية المتهالكة. وان يعتمدوا على انفسهم فقط، ولهذا كانت نتيجة الحرب أن أصبحوا رافعي راية الكفاح ضد إسرائيل».

أكان الشعب الفلسطيني المقسم بغير الاحتلالات الإسرائيلية في حرب الأيام الستة ليتوحد في أمة، أم كان ليُبتلع ويُستوعب داخل الدول العربية التي سكنها؟ يعتقد مشعل أن الرواية الفلسطينية كانت ستظهر على منصة السياسة في الشرق الأوسط على أي حال وفي كل الظروف ولكن بقوى أقل: لولا حرب الأيام الستة لتغلغلت المشكلة الفلسطينية، كما يقول، إلى جدول العمل من دون أن تخلقه. ويضيف مشعل «لقد سيطر الذيل الفلسطيني بعد حرب الأيام الستة على الجسم العربي كله، وتملك الوسواس الفلسطيني العالم العربي بأسره. وتأثر الوعي القومي للفلسطينيين بالحمى القومية الإسرائيلية».

لم يكن قادة إسرائيل الذين احتفلوا بنصر العام 1967 يدركون كيف يواجهون الوضع الجديد. نشبت المشكلة الفلسطينية لمدة أربعين سنة كعظمة في حلق إسرائيل فلا هي تقدر على ابتلاعها ولا لفظها. قاعدة السلام لولا تلك الحرب، كيف كانت ستبدو اليوم علاقاتنا بالدول العربية المجاورة؟ في رأي المشاركين في الحوار، كانت ستبدو أقل حُسناً. أنشأت الحرب، على نحو مفارق، قاعدة السلام.

يقول مشعل «غيرت حرب الأيام الستة ماهية صراعهم معنا. لقد حولته من تصادم مصيري إلى نزاع حدودي»، ونزاعات الحدود يمكن حلها. ويعتقد أورن أن «قرار مجلس الأمن الرقم ,242 الذي اتخذ في تشرين الثاني العام ,1967 وفي مركزه تصور الأرض مقابل السلام، لم يكن ليأتي أبدا لولا حرب الأيام الستة ونتائجها». ويضيف ان «فكرة التخلي الإسرائيلي عن المناطق مقابل الاعتراف العربي بإسرائيل أُثيرت أيضا في السنين التي تلت حرب التحرير. بيد أن إسرائيل لم تكن تملك آنذاك ما تتخلى عنه. لم تكن تسيطر أو تملك أراضي تُسلمها؛ ولكنها حظيت بالأرض فقط في أعقاب نصر الأيام الستة».

يقول موريس «عندما تولى دافيد بن غوريون رئاسة الحكومة، رفض رفضا باتا جميع مبادرات انسحاب اسرائيلي من حدود وقف إطلاق النار؛ وقال «لا يستحق العرب أي شبر من أرضنا». وحظيت احتلالات حرب الاستقلال بالشرعية الدولية بعد احتلالات حرب الأيام الستة فقط؛ بعد العام 1967 مُحيت حدود خطة التقسيم في العام 1947 وكأنها لم تكن.

يقول الموغ «لولا أن حاربنا واحتللنا مناطق وراء خطوط وقف إطلاق النار، لكانت إسرائيل اليوم تواجه سؤالا هو: هل تعود، جزئيا على الأقل إلى حدود خطة التقسيم. وبصياغة أخرى: لولا أن احتللنا الجولان في اليوم السادس من الحرب، لكان يُطلب إلينا اليوم مقابل السلام مع سوريا أن نتخلى عن الجليل».

ولم يختلف المشاركون في الندوة حول الضربة التي وجهتها الحرب لفكرة الوحدة العربية. ولكنهم قالوا أيضا إن الوحدة العربية من دون الحرب أيضا كانت في تراجع. يقول موريس «نهاية الناصرية والاشتراكية العربية كانت ملحة بقوة التطورات الدولية. عجلت حرب الأيام الستة السقوط لكنها لم تكن لتبقى بغيرها أيضا. الصراع الداخلي في العالم العربي ازداد حدة وابتدأ الإسلام يلعب دورا حاسما».

قُدسية الأرض وبنظرة تبعد أربعين سنة تظهر أسئلة أخرى: هل كان الرأي العام الإسرائيلي يسلم زمنا طويلا لوجود الأماكن المقدسة وأسس وجود الشعب اليهودي في القدس، وفي الخليل وفي بيت لحم، «في عذاب وابتزاز» تحت حكم أردني؟ يقول أورن «على الرغم من انه وُجدت دعوات كهذه وأخرى في النظم السياسية، والثقافية والأمنية في إسرائيل قبل العام ,1967 للخروج إلى معركة مخطط لها لتوسيع حدودها؛ وعلى الرغم من انه جرى الحديث كثيرا بين مقاتلي اعلما 1948 في بكاء الأجيال الذي سببه موافقة إسرائيل على خطوط وقف إطلاق النار، وخاصة تقسيم القدس، فإنه في الواقع لم تكن هناك أي خطة وأي نية لاحتلال مناطق جديدة سلم الشعب في إسرائيل بحدوده وحارب للدفاع عنها فقط لا لتوسيعها. والدليل على ذلك: التوجهات المتكررة إلى الملك حسين في الأيام الأولى من حرب 1967 كي لا يشارك فيها مشاركة نشيطة، وليحافظ بذلك على وحدة مملكته وعلى سيطرته على القدس».

يقول موريس «أظهرت القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل في العام 1967 ترددا وحيرة شديدة قبل أن تقرر مرغمة حقا، احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية، فضلا عن انه لم يكن هناك أي تفكير في المبادرة إلى احتلالات أو تحريرات».

يقول الموغ «لم تكن إسرائيل لتخرج للحرب لاحتلال حائط المبكى ولا لاستيطان المناطق يقينا. لم يكن ذلك خيارا عند أكثر الشعب آنذاك ولا في السنين التي تلت ذلك أيضا. انظروا مبلغ قلة يهود إسرائيل الذين انتقلوا آخر الأمر للسكن في المناطق. الكثرة الحاسمة تبتعد من هناك. في العالم العربي خاصة يقوى تصور معاكس عن قُدسية السيطرة المادية على الأرض. وهذا يصعب علينا الأمر جدا معهم». يقول مشعل «هل الأراضي مقدسة عند العرب فقط؟ وما الحال عندنا؟ ألا نحصر عنايتنا في الأرض؟ أتنسى حركة الاستيطان، التي تركت أثرها على كل تاريخ إسرائيل، السياسي، والعسكري والاقتصادي منذ العام 1967؟».

يقول الموغ «كان المستوطنون قلة ولا يزالون قلة. القطاع الخلاصي عندنا ضئيل جدا. في العالم العربي، في مقابل ذلك، الأكثرية تجري وراءه. الحضارة العربية الإسلامية تُقدس قيم إعادة الكرامة وإعادة الأرض. إنها معادية للديموقراطية، وسلطوية، وأبوية. والأساس أن العرب غير قادرين على تعلم درس من فشلهم يكون فيه شيء من النقد الذاتي. التهمة موجهة دائما عندهم إلى الآخرين، إلى الظروف، والى المؤامرة، والى القوى الكبرى، والى إسرائيل بالطبع. لهذا فإن النزاع بينهم وبيننا غير قابل للحل. على الأقل في المستوى السياسي».

يقول موريس «توصلت أنا أيضا في المدة الأخيرة إلى استنتاج أن المركب الثقافي الديني هو الغالب في علاقة العرب بنا. هذا ما كان في الهجوم على الاستيطان اليهودي في 1948».

يقول مشعل «لا أفهم ما تتحدثون فيه. لم يكن ولا يوجد البتة شيء كهذا العالم الإسلامي أو العالم العربي. توجد فيه فرق، وتيارات، واختلافات، وكراهيات. ليس التعميم في محله وهو مُضلِّل: فالشيعة مثلا أكثر شبها باليهود أحيانا من أهل السنّة».

بعد أسبوع من حرب الأيام الستة، وجد في إسرائيل من دعوا إلى ضم المناطق المحررة ومن دعوا إلى الانسحاب من المناطق المحتلة. انشق الرأي العام وما يزال الانشقاق على حاله إلى اليوم.

ثورة ثقافية ماذا فعلت حرب الأيام الستة بالمجتمع الإسرائيلي؟ ثورة ثقافية. «المجتمع الإسرائيلي في صيف العام 1967»، يقول الموغ، «كان في ذروة الموجة الصهيونية. في نشوة قومية، وسكرة حب الجيش الإسرائيلي. ومنذ ذلك الحين وهذه الموجة في انحدار وتخلي الصهيونية مكانها للكونية. يخبو عمود النار. بعد أربعين سنة من حرب الأيام الستة، ينظر الإسرائيلي الشاب بهزء خالص في مجموعات صور النصر. يتلاشى المفهوم ضمنا. الرابط القومي ينحل. تراجعت النخب القديمة إلى الوراء ونزلت عن المنصة بعد ذلك. تعاظمت أسئلة الهوية الذاتية. وتعمقت الشقاقات. تم الكشف عن أكثرها بعد حرب الأيام الستة وعلى أثرها فقط». يقول مشعل «غيرت حرب الأيام الستة ميزان إسرائيل الثقافي. انتصرت الشرقية على اختلاف أنواعها انتصارا كبيرا. فنصف الدولة يفكر ويتنفس على نحو شرقي. حتى العربية. أصبح الجمهور في البلاد أقل تدينا وأكثر إيمانا، وأقل حفاظا على الفرائض الدينية وأكثر حفاظا على التقاليد. نشأت أحزاب كثيرة وسقطت أحزاب كثيرة».

ألم يكن كل هذا ليحدث من غير حرب الأيام الستة؟ أكنا سنجمد على حالنا من غيرها؟ يقول الموغ «هزت حرب الأيام الستة نظام إسرائيل القديم: الاشتراكي، والاشكنازي، والرجولي، والقديم. لقد انهار انهيارا تاما في انتخابات العام ,1977 مع فوز الليكود الرأسمالي الشرقي بالسلطة. لولا الأيام الستة، فلربما لم يكن ليحدث كل ذلك. ومن الخير أنه حدث: فالفوران الاجتماعي، على الرغم من الألم والنزف، قوى إسرائيل وعجل النمو. تبين أن إسرائيل مجتمع ديموقراطي قادر على الثبات في أي اهتزاز».

يقول موريس «لا أنسب جميع هذه التغييرات إلى حرب الأيام الستة. أثر تغير الأجيال بقدر لا يقل عنها». نعيش على سيفنا عندما يُجند أبناء أبناء جنود العام 1967 للجيش الإسرائيلي اليوم، يودعهم آباؤهم وآباء آبائهم بقلب ثقيل. الأخطار الوجودية لم تنقضِ. «صوت شحذ السيوف»، حذر أكثر المشاركين في الحوار، «لم يصمت؛ لا يوجد في المنطقة العربية ـ المسلمة تسليم حقيقي بوجود دولة يهودية».

إن النزاع الدامي للفلسطينيين بعيد عن نهايته، والاحتلال الشديد مستمر. لم تعد قوة ردع إسرائيل كافية لمنع الحرب. يقول أورن «عبد الناصر كما رأى، لم يعتقد انه اخطأ. لقد اعتقد انه يسلك بحكمة وبعقلانية. التشبيه واضح: اليوم، كما في العام ,1967 المواجهة الإسرائيلية العربية أكثر قبولا للاشتعال». بعد أربعين سنة من حرب النصر تلك، قد يعود عود ثقاب لعين واحد إلى إشعال اللهب هنا». بيد أن المشاركين في الحوار يحذرون هذه المرة من أن اللهب قد يكون ذريا

مصادر
السفير (لبنان)