يبرز الحوار حول الإسلام والأديان الأخرى مع كل حدث يقترن بما يقدمه الإعلام العالمي والمحلي تحت مصطلح "الإرهاب الدولي". وقد اتضح ذلك في حوار دار بين جمهور المثقفين في أحد المراكز الثقافية بسوريا، وجاء في أعقاب محاضرة قدّمتُها حول حضور الفكر الديني في الفكر العربي الراهن، مع توكيد على الفكر الديني السياسي، سواء اتصل بالدين الإسلامي أو بالدين المسيحي أو غيرهما.

في هذا السياق قفزت مسألة الإرهاب وعوامله الخفية والمعلنة في المرحلة العالمية الراهنة، والعالم العربي من ضمنها على نحو الخصوص. ها هنا جرت استعادة أطروحة الأميركي صمويل هنتنغتون حول "صراع الحضارات"، التي يرى فيها أن مفهوم "الحضارة" يكاد يكون متطابقاً، بقدر معين، مع "الدين". وإذا كان ذلك كذلك، فإن أنماط الصراع الأخرى تعيب، وهي التي ظهرت في الحقول الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقيمية، وتوضّعت -من ثم- بصفتها صراعات جيلية وفئوية وطبقية وقومية، وكذلك دولية دبلوماسية وسياسية وعسكرية وغيرها.

وبصيغة أخرى، تغدو الصراعات الدينية محض صراعات "حضارية"، دونما حضور لعوامل حاسمة أخرى مثل تلك الجيليّة والفئوية والطبقية والقومية وغيرها. وهذا -بدوره- يمثل إحدى نتيجتين اثنتين، أما الأخرى فتتحدد في أن مستقبل الصراعات بين الشرق والغرب إنما هو صراع أديانها: بين المسيحية والإسلام واليهودية. وقِسْ على ذلك ما تبقى من أديان أو ما يعتبره أصحابها أدياناً. ومن شأن ذلك أن يضع الإسلام في فوهة بندقية ضد الأديان الأخرى، نظراً إلى أنه يرى الحقيقة بكاملها متطابقة معه ومتماهية به، وبتعبير آخر، هنا يبرز الإسلام عدواً حاسماً للغرب المسيحي، على هذا الأخير أن يحذره ويؤسس لمواجهته أو لمواجهاته، حيثما أفصح عن وجوده.

ذلك الموقف القائم على الحذر والخوف والشك والقابل للاشتعال يمثل -حسب هنتنغتون على الأقل ضمناً- مشروع حرب دائمة ومفتوحة ضد مواقف أخرى تتجسّد بأديان أخرى. ومع أن هنتنغتون خصّ الإسلام بكونه تجسيداً لهذا المشروع، إلا أنه لم يغفل عما اعتبره مماثلاً أو مشابهاً للإسلام، كما هو الحال بالنسبة إلى الكونفيشيوسية. وبهذا، يختزل الرجل الإسلامَ إلى ذلك المشروع الصراعي الصدامي والمهدِّد للعالم الغربي. إننا نجد في أطروحة هنتنغتون موقفاً قاصراً بالاعتبار المعرفي والتاريخي، وخطراً بالاعتبار السياسي والاستراتيجي. وفي حقيقة الأمر، يمثل هذا الموقف "الهنتنغتوني" استمراراً لمرجعيات وأطراف متعددة من الغرب، وليس لكل الغرب، وهذا ما لم يضع "إدوارد سعيد" يده عليه، فهو الذي أعلن أن الإسلام "مثّل تهديداً دائماً للغرب، ولم يسبق أن قيل عن أي دين آخر أو أية جماعة ثقافية إنها تمثل تهديداً للحضارة الغربية، كما قيل عن الإسلام".

ما قدمه كلا الرجلين، "هنتنغتون" و"سعيد"، يُغفل أمرين اثنين: أما الأول منهما فيتمثل في بطلان فكرة أن الإسلام، بوصفه ديناً، يُعتبر تهديداً للغرب باعتباره حقلاً بشرياً تعيش فيه "شعوب" تسعى لخيرها دون الإساءة لغيرها من الشعوب. والأمر الثاني يقوم على نفي أن يكون الغربيون "كلهم" يأخذون بهذا الرأي الضيّق والذي يُفضي -في حالات كثيرة- إلى العنصرية والاستعلاء ذي النزوع المركزي الكوني. لقد جاء ما يردّ على ذينك الأمرين من مرجعية غربية "قُحّة" بالاعتبار الثقافي والسوسيولوجي والأيديولوجي، فالأمير البريطاني تشارلز ألقى محاضرة في جامعة أكسفورد عام 1993، أعلن فيها ما يلي:

"إننا في الغرب ننظر في تاريخنا إلى الإسلام فنراه مصدراً للتهديد... إن رؤيتنا للإسلام رؤية ناقصة شوهتها أعمال التطرف غير الطبيعية. وفي الوقت نفسه يجب ألا تنزلق أفكارنا بالاعتقاد أن التطرف هو بعض الحالات المعلَم والجوهر في الدين الإسلامي، إذ إن التطرف ليس وقفاً على الإسلام فحسب، بل هو موجود في صلب الأديان الأخرى، ومنها الدين المسيحي... ولكن بما أننا رأينا في الإسلام عدواً للغرب كثقافة غريبة بنظام حياتها ومجتمعها، فقد تجاهلنا تأثيره الكبير على تاريخنا. إن الإسلام جزء من ماضينا ومن حاضرنا في جميع ميادين الجهد البشري، لقد ساعد الإسلام على تكوين أوروبا المعاصرة، فهو جزء من تراثنا وليس شيئاً مستقلاً بعيداً عنّا".

تلك وجهة نظر قدمها رجل مثل الأمير تشارلز، ووضع فيها يده على مسألة ذات أهمية منهجية خاصة، قد يحسده عليها رجال عُرفوا بوصفهم باحثين متفرغين في شؤون التاريخ الإسلامي من الغرب كما من الشرق؛ نعني النظر إلى الإسلام والغرب والأديان على نحوٍ تاريخي دقيق. لقد وضع التطرف في حدوده التاريخية في كل الأديان، ومنها الإسلام أولاً، ورأى -من ثم- أن التطرف ليس لصيقاً بدين واحد أو بآخر، وإنما هو حالة مقترنة بمجموعة من العوامل الخفية والمعلنة على الباحثين أن يكتشفوها ثالثاً. ووضع يده على وجه طريف عميق من العلاقة بين الإسلام وأوروبا، هي علاقة تاريخية قامت على التثاقف الكبير، الذي أفادت منه أوروبا إلى درجة أن الإسلام كان من مكوناتها الحديثة، هنا يصح القول: إن العلم بالمشخَّص، وإن البشرية بالتعاون!

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)