بعد ست سنوات من مفاوضات خلّبية عقدت بين متفاوضين فلسطينيين وإسرائيليين في (طابا) في الربع الأول من عام 2001، لم يكن الضالعون فيها أكثر من (مكتب عمليات) يقود حملة إيهود باراك الانتخابية، التي انتهت إلى فشل، قيل في حينه إنها تناولت قضايا الوضع النهائي، التي أخفقت محادثات تموز 2000 في إخراجها إلى أرض الحقيقة، سعت الولايات المتحدة إلى وضع ما تسميه (أفقاً سياسياً) موضع التنفيذ مما يمكّن الجانبين من الزعم بأنهما حققا تقدماً، أو يمكّنها من كسب التأييد العربي لسياستها في العراق وإيران. وهناك من يقول: إن واشنطن تريد، على ما يبدو، أن يختتم الرئيس جورج بوش فترة رئاسته الثانية بإنجاز يحققه على صعيد عملية السلام المتعثرة في منطقة الشرق الأوسط عبر إقناع من تراهم حلفاءها الاستراتيجيين في المنطقة بقبول (فكرة التعامل المباشر مع إسرائيل)، أي تحقيق هدف حكومة أولمرت (التطبيع أولاً). وهذا ما ظهر جلياً عبر تصريحات لـ(إيهود أولمرت) دعمتها رسالة من وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليسا رايس إلى بعض نظرائها العرب قالت فيها أنتم (الإسرائيليين) (مستعدون لمناقشة أفكار أي مجموعة عربية حول المبادرة السعودية)، التي لم تتضمن البند الوارد في مبادرة بيروت 2002 عن حق العودة للاجئين. وقد دعت رايس نظراءها إلى التحلي بالشجاعة والإقدام على اتصالات مباشرة أو عبر وسطاء مع إسرائيل من أجل إنجاح المساعي الرامية إلى إقناع تل أبيب بالتجاوب مع المبادرة العربية، ومن دون ذلك، حسب مصادر دبلوماسية غربية في القاهرة، فإن إمكان نجاح العرب في ترويج المبادرة لن يكون كبيراً، قبل أن تتلقى إسرائيل ما وصفته وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني (تفاصيل أخرى) بشأن المبادرة.

ومن هذه التفاصيل: (الاستيضاح عن الإطار الذي تتم فيه المفاوضات، وكيف سيتم تعريفها). ربما كانت هذه بعض مهمة الفريق الثنائي الذي كلفته جامعة الدول العربية بعرض المبادرة العربية التي أعادتها قمة الرياض (28-29 آذار 2007) إلى الحياة، على الطرف الإسرائيلي الذي غضبت وزيرة خارجيته من قلة عدد الوفد. وقد استبق وزير الخارجية المصرية أحمد أبو الغيط قرار مجلس الجامعة بتشكيل (لجنة) من مصر والأردن الدولتين اللتين لهما علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بقوله: (إن لجنة المبادرة لن تكلف التفاوض مع إسرائيل) مشيراً إلى أن (المقصود ليس تطبيع العلاقات بل بدء حوار تقوده هذه اللجنة مع الدولة العبرية) (الأخبار 15/4/2007).

إسرائيل تعلم ما المبادرة العربية وما مضمونها. المبادرة ترمي إلى: (1) إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والجولان. (2) إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية. (3) حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق القرار الدولي رقم 194 الصادر يوم 11 كانون الأول 1948، وبقية القرارات الدولية الأخرى التي كرست القرار المذكور، وقضت بـ(حل قضية اللاجئين حلاً عادلاً) وفق ما نص عليه القرار 242. هذا بالإضافة إلى قضية المستوطنات وضرورة إزالتها.

كل من القضايا الأربع السالفة مرفوضة إسرائيلياً، وستظل إسرائيل تصر على رفضها لأنها ترى أن كلاً منها يشكل مقتلاً لها، ويهدم الخريطة الإدراكية التي نشأ عليها الإسرائيليون، ومن مرتكزاتها: (لا صهيونية بدون استيطان)، وأن (فلسطين أرض بلا شعب)، وأن (القدس صخرة وجود) اليهود في إسرائيل. وإلغاء أي من هذه المرتكزات يعني إسقاط الركيزة العقيدية في الفكر الصهيونية وهي (يهودية الدولة العبرية)، ذلك أن نقضها يعني أن تصبح (إسرائيل دولة لكل مواطنيها)، وهذا مرفوض لديها، أو أن تصبح (دولة ثنائية القومية) وهو أمر مرفوض أيضاً.

وعليه، فإنه من الممكن القول إن مهمة (لجنة المبادرة) محكوم عليها إسرائيلياً بالفشل، ذلك أن الدولة العبرية تريد، وهي تتقن فن إدارة الصراع، دعوة العرب إلى (القبول بما يعرض عليهم فقط)، أي العودة إلى مقولة (السلام مقابل السلام). ولكن هذا لا يسقط من الحساب، إذا ما أضيف لاعتباراته الضغط الأمريكي، أن يكون هناك من يخرق (الإجماع العربي)، انطلاقاً من تغليب الـ(أنا) على الـ(نحن). وهذا في السياسة له قاعدة ثقافية شاعت في المنطقة العربية، بعد أن أرستها اتفاقيات كامب ديفيد (1979)، وهي (ثقافة أولاً) التي لم تغادر المفهوم القبلي أو العشائري في العلاقات الدولية، وإن وجد في تطبيقها من يقول: إن معظم دولنا ظهرت على الخريطة السياسية بعد نشوء القضية الفلسطينية، ومن ثم فهي طارئة على هذا الوجود.

وبالتالي لا علاقة لها، وضمن (ثقافة أولاً)، بالقضية الفلسطينية، أو بالصراع العربي – الإسرائيلي، هذا المصطلح الذي جرى تقزيمه إلى مقولة (النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي). وإذا كان هناك من يجادل رافضاً هذا المصطلح فإن الدعوة لشخصيته الاعتبارية، من حيث أن صاحبها لابد أن يكون دولة، هي أن يمكّن الفلسطينيين من البقاء في وطنهم. وهذا يرتب التزاماً بـ(كسر الحصار المفروض على الفلسطينيين) كون الديمقراطية التي مارسوها لم تأت على ما كان يتمناه (المحافظون الجدد)، إضافة إلى رفض كل محاولات التوطين التي يجري إعدادها في أروقة الدبلوماسية الدولية من منظور (السياسة الواقعية)، التي بشّرنا بها هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية أثناء انعقاد مؤتمر جنيف (كانون الأول 1974) وقوله بالعربية (اللي فات مات) Let by gone be by gone.

هذه (الواقعية) وجدت سبيلها سريعاً إلى أقلام مثقفين عرب في دفاعهم عن (مبادرة السلام العربية) باعتبارها (واقعية). و(هذا) حسب الدكتور علي الطراح، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الكويت، (ما يملكه العرب، وهذا ما تفرضه الظروف الدولية وإن كانت المعادلة غير متكافئة). وفي سياق الواقعية قدم الدكتور الطراح لنا الرئيس أنور السادات شاهداً على ما يقول، لكنه سرعان ما أن انقض على من يقومون بالتعبئة ضد العدو حتى ولو كان المسجد منبراً لهم فـ(نحن نذهب إلى المسجد يومياً ونخضع لتعبئة نفسية ضد من نريد أن نقيم السلام معهم، فكيف يتمكن الساسة من إقامة السلام مع الخصم التاريخي الذي يحظى بتراث تاريخي من الكراهية؟) (الاتحاد 18/4/2007). لا أظن أن هذه الدعوة بعيدة عن طروحات التطبيع التي صاغها العدو في سياق البعد الثقافي باشتراطه أن يتم الإعداد لذلك بإدخال مقولات التطبيع في حياة المجتمع بدءاً من المرحلة التأسيسية في المدرسة والمسجد بحيث تشمل (كل ما يقال ويُقرأ ويُسمع) وصولاً إلى الصحيفة والمذياع. وعدم إذاعة كل آية قرآنية تتحدث عن اليهود.

لقد استبق إيهود أولمرت قرار اللجنة الوزارية إرسال وفد ثنائي إليه ليُطلعه على تفصيلات المبادرة السلمية العربية بالإعلان (18/4/2007) أن ليس لدى إسرائيل أي شروط مسبقة بخصوص المبادرة العربية، لكن لديها موقف مسبق من حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وفي تناوله خلفيات التحرك العربي، قال أولمرت الذي كان يتحدث أمام لجنة الأمن والخارجية التابعة للكنيست: إنه يهدف إلى (تشكيل غطاء سياسي مريح، يسهل عليهم الموضوع الفلسطيني، فهم يعملون على بلورة إجماع يقبل إسرائيل باعتبارها أمراً واقعاً). وبداية هذا الإجماع كما قال دبلوماسيون أمريكيون إن قياديين فلسطينيين وإسرائيليين وضعوا وبإشراف الولايات المتحدة (خطوطاً هادية) للمحادثة التي اتفقوا على إجرائها مرة واحدة كل أسبوعين، تؤدي إلى ما أسموه (بناء الثقة) بين الجانبين، تناقش الهياكل القانونية والاقتصادية والحكومية للدولة الفلسطينية المستقبلية (شريطة ألا تتطرق المحادثات لقضايا محورية منها الحدود ووضع القدس ومشكلة اللاجئين الفلسطينيين).

وهذا ما حمل نائب رئيس الوزراء الفلسطيني (عزام الأحمد) على القول بأن النتائج التي توصل إليها عباس وأولمرت في لقائهما الأخير، كانت كفيلة بألا يعقد مثل هذا الاجتماع لاحقاً. وإذ يفسّر الإسرائيليون عدم اتخاذ الطرفين أي خطوات مهمة كونهما ضعيفين، فإن السؤال الذي يرتسم على الجدار هو: ما الجدوى المتوخاة أمريكياً من الدفع باتجاه لقاءات عباس- أولمرت وهما ضعيفان ولا يقويان على تحريك مسار التسوية؟

الطرف الفلسطيني بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وتعزيز مكانة حماس في الشارع الفلسطيني ليس (ناضجاً) في المقاييس الأمريكية- الإسرائيلية، للإقدام على خطوات (تاريخية) باتجاه التسوية مع إسرائيل. أما حكومة أولمرت فهي أضعف الحكومات الإسرائيلية، حتى أن شعبية رئيسها لا تتجاوز 2% وإذا ما أخذ بعين الاعتبار احتمال الخطأ في استطلاعات الرأي فإن شعبية أولمرت محصورة بالكاد في أهل بيته، وبالتالي فهو أعجز من أن يتخذ قراراً مصيرياً. وعليه، فإن الاهتمام الأمريكي بالساحة الفلسطينية يتجاوز السباق الفلسطيني- الإسرائيلي، باتجاه خدمة الترتيب الأمريكي المفترض للمنطقة، في ضوء الفشل الصاعق لسياسة الإدارة الأمريكية في العراق، فهي تبحث عن أي إنجاز أو ما يوحي به في المنطقة.