جاور سائح صيني عربيا ليعرّفه ببلاده (الصين) قائلا: “لتعرفوا الصين يا عرب، عليكم ان تسألوا رواد الفضاء منذ المركبة الأولى (أبولو 11) في الستينات إلى آخر مركبة فضائية هبطت على سطح القمر بسلام، ان هؤلاء الرواد ماذا رأوا ويرون على سطح الأرض إذا وجهوا تلسكوبهم نحو الأرض؟

فهل يرون البيت الأبيض مثلاً حيث يسكنه سيد الكون مع سيدته؟ أم يرون أبراج نيويورك حيث المحطة الجديدة لتوليد الانطلاقات الكونية التي تغير ألوانها كالحرباء، يوماً بالدبابات والزلازل الأرضية للبحث عن الإرهاب، ويوماً بالصواريخ والقنابل الفضائية بحثاً عن الإنجاب، أقصد إنجاب الشرق الأوسط الجديد؟

أم هل يرون الطريق الجديد إلى قصر الاليزيه بباريس حيث الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي أسقطت ولأول مرة جدارين معاً: الجدار الحاجز بين جيل ما بعد السبعين وجيل ما قبل الأربعين بطرد ميتران، والجدار العنصري العرقي الفرنسي برفع الستار عن ملامح وجه (نيكولا ساركوزي) ذي الاصول غير الفرنسية المهجّرة، بعد ان توجه الناخبون الفرنسيون يوم الأحد إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات رئاسية هي الأكثر إثارة وإقبالاً منذ عقود، وبنسبة تجاوزت 78% تعتبر الاعلى في انتخابات رئاسية فرنسية منذ أكثر من 50 عاماً؟

بل وهل يرى - والكلام لا يزال للسائح الصيني مع جاره العربي- رواد الفضاء من سطح القمر بواباتكم الحضارية كالقاهرة وبيروت مثلا، أم دمشق وبغداد حيث الانتخابات والقلاقل على بوابة، والتشنّج والصراعات على بوابة أخرى؟

طبعا الرواد مهما استخدموا تلسكوبات دقيقة مطورة لن يروا على سطح الأرض إلا خطاً طويلاً لا يمكن مسحه، انه الخط العظيم والرمز العظيم، انه سور الصين العظيم بعظمة الصين ومكانتها على خريطة الأرض، فمهما استبدلت الخرائط وأنجبت شرق أوسط جديداً أو مُحيت غرباً أحمق قديماً، يبقى الرمز العظيم على تلك الخرائط هو جدار الصين.

فيقول العربي في قرارة نفسه، إني ما أردت مجادلته عن مجد العرب، وعن الرموز العربية العظيمة التي لم يُكشف النقاب عنها بعد، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما أكثرهم تاريخا في المخطوطات وما أقربهم منالاً على الشاشات، فعلى سبيل المثال كان أحد ألقاب الرئيس العراقي السابق صدام حسين ضمن قائمة 99 لقباً: “رمز العراق العظيم”، لكني فضلت محاورته بنفس لغته عمّا يُرى من سطح القمر وعمّا لا يُرى.

عزيزي الصيني.. كما انتم الصين كذلك نحن العرب، وكي ترى معالمنا على الأرض فلست بحاجة لأن تصعد على القمر، لأن 21% من الكرة الأرضيه ما هي إلا مساحات عامرة بالعرب والمسلمين ومعمورة بأسواقهم وحضاراتهم ومحاصيلهم ومنتجاتهم، وان 50% من الإنتاج العالمي للسلع الاستراتيجية كالنفط والبترول والغاز والمعادن يملكها العرب والمسلمون، وان 40% من خامات هذه السلع القابلة للتصدير والتحويل على وجه الأرض تعود للعرب والمسلمين، وان العشرة الأوائل من الدول المنتجة المصدرة للنفظ على وجه الأرض سبع دول عربية وإسلامية.

وهكذا وجد العربي في انصياع الصيني له بعيون صغيرة عوجاء وبدقة طرشاء منفسا لسليط لسانه، فعاد إلى نفس الجدار قائلا: ألا ترى ان الجدار لم يعد له أهمية في زمان إنسان الحوار؟ انه الإنسان المعاصر، يملك أحدث القاعات والصالات والميكروفونات “اللاسلكية” ويلبس من أجود الحرير البدلات وربطة العنق “السلكية”، عار علينا ان نعيده إلى عصر الإنسان الحجري ونصعّده بكفنه إلى الجبال، لتُدفن جثته غالبا في ما حفرته سواعده محنّطا بدمه وعرقه. ألا ترى أن الزمن اسقط جدار برلين بين الألمانيتين بأوروبا، وألبس جدار الصين ثوب الكهولة، وأفشل الجدار العنصري العازل في فلسطين؟

لسنا بحاجة لبناء جدار تمكن مشاهدته من على سطح القمر ولا يستطيع من يراه الوصول اليه ولو للصيانة، ولهذا يقال عن جداركم انه الكهل الذي في طريقه للقبر، يكفينا ان يكون الجدار بيننا وبين ظهرانينا، نراه كل يوم وندهّنه كل يوم، ونزيّنه من كل طرف بلون مغاير عن الطرف الآخر، ألم تسمع عما تمخض العقل الجديد وابتدع جدار الأعظمية؟

انه عظيم ليس لأنه إلى جوار الاعظمية فحسب وإنما لأنه سيولد جداراً هنا وجداراً هناك، ألم يسبقه الجدار “الهائل” بالمنطقة الخضراء، ويوصف بالهائل لأنه كان يفصل الأجنبي عن العراقي والمدني عن العسكري، وعربات نقل الأرزاق والأطفال عن الدبابات، كذلك يستحق الجدار الجديد لقب العظيم لأنه يفصل العراقي عن العراقي، والمدني عن المدني، والمواطن عن المواطن، ولأنه كما العشيق يشق قلبه لعشيقته قلبين، كذلك يشق بغداد إلى بغدادين بخرسانته المسلحة على أساس طائفي.

أنتم تجيدون بناء الجدران بينما نحن نجيد البناء والاسقاط معاً. لقد شهد عشرات الملايين من العرب سقوط جدار بغداد في ربيع ،2003 تمهيدا لبداية سقوط “الجدار العربي”، فلم يعد هناك من يقسم العرب إلى قسمين كسقوط جدار برلين الذي كان يقسم أوروبا إلى قسمين.

العنف بالعراق ولد في مكان آخر وليس في العراق فحسب. وما نراه ونتلمسه اليوم نرى له حلاً في يديكما أنتما: (الصين واليابان) البلدان المنصرفان للبناء والإنتاج، وبالأخص اليابان التي حلفت بمعبودها “الشمس” بعد هيروشيما انها ستقفل أبواب الحروب وتتفرغ للابتكار والإنتاج فستصنع وتنتج وتبني لتودع الدمار للأبد وتتبنى البناء للأبد.

نحن ننتظر من طوكيو وبكين أن تتوقفا ولو قليلاً عن إنشاد قصائد سور العظيم ومراثي هيروشيما وتعلنا بالتضامن عن “تقنيات حديثة” صنع في طوكيو وبكين معا لتوضعا في شوارع بغداد معاً للكشف عن المتفجرات والسيارات المفخخة، وبذلك تكون والصين واليابان قد اسقطتا جدار الأعظمية واحتلتا قلوب العراقيين للأبد بعد ان احتل الأمريكيون والبريطانيون بيوتهم وبساتينهم لأربع سنوات.

سمعت خبراً منسوباً لوزارة الداخلية العراقية جاء فيه أن الوزارة المذكورة ستبدأ بتشغيل تقنيات حديثة في بغداد، تستطيع رصد المتفجرات قبل التفجير. لست متشائماً من هذا الخبر لأبعد الحدود ولا متفائلاً بالدرجة نفسها، لكن ما أرجوه من الصين واليابان ان تغزوا عالمنا بهكذا تقنيات، كما غزت أسواقنا بالكهربائيات والإلكترونيات، لأن السوق الاستهلاكي لهكذا تقنيات لا يحتاجها العراق فحسب، بل العالم كله، بل وسيكون العالمان العربي والإسلامي برمته زبائن لها.

لا نريد منكم أن تصدروا لنا المزيد من الثلاجات والمكيفات، لتقف الثلاجة الجديدة عروسة تتباهى بجوار القديمة في المطابخ، وليصعد المكيف الجديد فوق القديم متباهياً بأنه يخرج الهواء الفاسد أكثر من سابقه، اننا نريد أن تصدروا لنا ما يدخّل على المجتمع العربي الهواء النظيف ويخرج منه الهواء الفاسد، حيث تستطيع الأمهات بعدها أن تفتح الأبواب والنوافذ من دون خوف، ونرى في كل الشوارع والأحياء والمساجد والكنائس شموع الأعراس والحفلات لا أضواء القنابل والمتفجرات.

مصادر
الخليج (الإمارات العربية المتحدة)