انتهزت إسرائيل زيارة وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، لإبداء اعتراضها الشديد على قرار واشنطن بيع السعودية عتاداً عسكرياً يشمل دبابات وطائرات هليكوبتر وأنظمة دفاع جوي، إضافة الى القنابل الذكية من طراز «JDAM» المتطورة التي تُوجّه بالأقمار الصناعية، وسبق أن استخدمها سلاح الجو الإسرائيلي في حرب لبنان الثانية، وتقدر قيمة الصفقة بحوالى عشرة مليارات دولار.

تصدّرت الصفحات الأولى للصحف العبرية خلال شهر نيسان الحالي أنباءُ الصفقة السعودية والاعتراضات الإسرائيلية عليها. هذا الاعتراض ليس بجديد، فالدولة العبرية كانت دائماً ترفض تزويد الغرب الدول العربية ــ بما فيها «المعتدلة» ــ السلاح والعتاد، بحجة عدم الإخلال بالتفوق العسكري الإسرائيلي: ففي مطلع الثمانينيات، احتجت إسرائيل بشدة على تزويد السعودية طائرات الأواكس الشهيرة المخصصة للتجسس على الاتحاد السوفياتي السابق حينذاك، ولم تهدأ ثورتها إلا بعد حصولها على طائرات إف 16 الأميركية المتطورة. عبّر وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس، أثناء لقائه

نظيره الأميركي، عن تخوفه من «أن تقع القنابل الذكية في أيدي جهات إرهابية متطرفة في الدول التي ستقتنيها»، من دون أن يدلّنا بيرتس على كيفية استيلاء مجموعات إرهابية صغيرة ومطاردة على عتاد عسكري ضخم كقنابل (JDAM). ولو تم الأمر، فماذا ستفعل بها؟ هل تستخدمها ذخيرة لطائراتها!!!؟ أم تبيعها «للدول المارقة» مثل إيران؟ وهو يعرف جيداً أن هذه المجموعات سليلة فكر متزمّت، تضع الجمهورية الإسلامية في مقدم أعدائها.

أما الادعاء الإسرائيلي القائل بإن حيازة الدول العربية مثل هذه الأسلحة، ستخلّ بالتفوق الاستراتيجي للدولة العبرية، ففيه الكثير من التهويل ومجافاة الحقيقة. والأمر يدفعنا إلى التساؤل: كيف ستوازن تلك المحميات الخليجية، بجيوشها «البدائية» وقدراتها العسكرية المحدودة، الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط؟ ومتى استعمل السلاح الخليجي، وبخاصة السعودي، ضد إسرائيل خلال صراعها الطويل مع العرب؟ فالدولة العبرية تدرك قبل غيرها أن لهذا السلاح ثلاث وظائف محددة هي الآتية:

1 ــ الصفقة السعودية كسابقاتها تهدف الى رفد الصناعة العسكرية الغربية، وبخاصة الأميركية، عبر ضخّ مليارات الدولارات سنوياً، من دون الحاجة الفعلية إلى هذه الأسلحة التي تبقى في المستودعات من دون استخدام. لقد عقدت السعودية، خلال العقود الماضية، العديد من الصفقات التي تقدر قيمتها بأرقام فلكية. فصفقة اليمامة وحدها التي أنجزت مع بريطانيا وتمت على مرحلتين: الأولى عام 1985 والثانية عام 1988، زادت قيمتها على 30 مليار دولار. وأثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، أبرمت السعودية صفقةً مع الولايات المتحدة، بتاريخ 21 تموز 2006، تزيد قيمتها على ستة مليارات دولار. وكانت المملكة السعودية خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي، قد أنفقت أكثر من مئة مليار دولار على تمويل الحرب الأميركية ضد السوفيات في أفغانستان، ومساعدة نظام صدام حسين في حربه ضد إيران.

2 ــ استخدمت معظم أسلحة الصفقات الخليجية، ولا سيما المعدات والعتاد الخفيف والمتوسط، لمكافحة «الإرهاب». وكانت وكالة التعاون الدفاعي الأمني في البنتاغون قد ذكرت في تقرير موجّه الى الكونغرس في صيف عام 2006، لتبرير صفقة السلاح الآنفة الذكر، «أنها ستساعد على تعزيز قوة الجيش السعودي، وقدرته على مساعدة الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب في المنطقة وحول العالم». 3 ــ بعد سقوط الاتحاد السوفياتي واختفاء «البعبع» الشيوعي، نجحت الولايات المتحدة في توجيه البوصلة العربية، في اتجاه العدو الجديد «إيران والشيعة». فعمدت الى مساعدة السعودية على بناء ترسانة عسكرية كبيرة (بالمال السعودي) لمواجهة «العدو» المستجد. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية بتاريخ 19/4/2007، أن الإدارة الأميركية تسعى لتعزيز القوات المسلحة في دول الخليج، لمواجهة طهران. ولتطمين الدولة العبرية، تعهدت واشنطن ــ على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض شون ماكورماك ــ بأنها ملتزمة أمن إسرائيل، وتفوّقها العسكري في منطقة الشرق الأوسط.

تنفق المملكة السعودية على التسلح ما بين 12-16% من ناتجها القومي، بينما تبلغ نسبة الإنفاق العسكري الأميركي من الناتج القومي 3.2%، والإسرائيلي 12%، ولا يتعدى الإنفاق العسكري الإيراني 6%.

تبين أن تصريحات القادة الإسرائيليين وتهويلاتهم هي لمنع إنجاز الصفقة، وتهدف الى ابتزاز الولايات المتحدة وانتزاع موافقتها على بيع طائرات «إف 22» ــ المقاتلة الأكثر تطوراً في العالم ــ للدولة العبرية. وذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية «أن وزارة الخارجية الإسرائيلية مارست ضغوطاً هائلة على الولايات المتحدة، وطالبتها بتزويد سلاح الجو الإسرائيلي هذه الطائرات، مقابل صفقة الأسلحة السعودية». ويبدو ان الإسرائيليين سيحققون مبتغاهم، فشركة «لوكهيد مارتن» المنتجة للطائرة المذكورة تمارس ضغوطاً كثيفة على الكونغرس، للسماح بإنجاز عملية البيع لجني الأرباح، بعدما اكتفت القوات المسلحة الأميركية بشراء 180 مقاتلة، من أصل 700 طائرة كانت تنوي شراءها. ويبلغ ثمن الطائرة الجديدة 150 مليون دولار، بينما لا يتعدّى سعر طائرة إف 16 خمسين مليوناً. تصرّ إسرائيل على امتلاك طائرة «إف 22» نظراً إلى تمتّعها بالمواصفات الآتية: إحدى أهم هذه المواصفات هي عجز أجهزة الرادار المعادية، مهما كانت متطورة، عن رصدها، لكونها مزودة أحدث الأجهزة الإلكترونية. ويتألف طاقمها من طيار واحد، بينما يتألف طاقم معظم الطائرات الحربية من طيار ومساعد. وتستخدم هذه الطائرة القنابل الذكية من نوع «جي ــ دام» البالغة الدقة، التي يمكنها تدمير هدف صغير من علو شاهق، وتصل سرعتها الى 1,5 ماك، أي 1850 كيلومتراً في الساعة. وتمتاز بالقدرة على التحليق لساعات في الجو، دونما حاجة الى تزويدها الوقود، علماً بأنها دخلت الخدمة في سلاح الجو الأميركي عام 2005.

من المقدر أن تنجح إسرائيل في الحصول على طائرة إف 22، لتعزز سلاح الجو لديها. فالتجربة الطويلة تدل على أن الإدارات الأميركية المتعاقبة، ولا سيما إدارة الرئيس بوش الابن، لم تتوان عن تزويد الجيش الإسرائيلي أحدث منتجات الصناعة العسكرية الأميركية.

بالمقابل يطرح السؤال الآتي: علام كل هذا الإنفاق السعودي العسكري على العتاد، ولمحاربة من؟ وما هي الغاية من إهدار مئات مليارات الدولارات على التسلح، من دون نتيجة تذكر؟ تجدر الإشارة الى أن السعودية لم تخض حرباً مباشرة واحدة طوال تاريخها الحديث، بل كانت تخوض حروبها الإقليمية بالوكالة، كما حصل عند مناوأة القوات المصرية في اليمن، إبان حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. * باحث في الشؤون العسكرية