ليست هي المرة الأولى التي تثير فيها إسرائيل التساؤلات، وتطرح الشكوك، وتكيل الاتهامات بشأن شرعية الأفكار والمواقف التي يطرحها عزمي بشارة، والتي ربما تؤدي إلى أمكان عزله من الحياة السياسية داخل إسرائيل.

فقد تعرض بشارة مرات عدة إلى اتهامات ومحاكمات، كان آخرها في العام 2002، حيث رفعت الحصانة البرلمانية عنه، على خلفية زيارته لسورية وتأييده للمقاومة ضد الاحتلال، كما كانت السلطات الإسرائيلية حاولت منع حزبه (التجمع الوطني الديموقراطي) من المشاركة في انتخابات الكنيست أخيراً، لكنها لم تفلح. وكانت إسرائيل حاولت سن العديد من القوانين التمييزية والزجرية، مثل اشتراط الاعتراف بهوية الدولة، وعدم زيارة دول «معادية» ونبذ المقاومة (الإرهاب بمصطلحاتها)، رداً على مواقف بشارة، وتحديداً للسقف السياسي لفلسطينيي 1948.

منذ ظهوره، كشخصية وطنية فلسطينية ذات أفق ديمقراطي وعلماني وليبرالي، شكل عزمي بشارة مأزقاً كبيراً لإسرائيل، لأنه أسهم بشكل ناجح في سحب ادعاءاتها بهذا الشأن، مبيناً أنها مجرد دولة عنصرية استعمارية، بإصرارها على طابعها كدولة يهودية، وكونها تستمد تشريعاتها من الديانة اليهودية. وفي ذلك فضح بشارة التناقضات التي تكتنف الدولة الإسرائيلية، حيث لا يمكن التوفيق بين كونها دولة يهودية وديمقراطية، أو بين كونها دولة علمانية ودينية، وبين كونها دولة لمواطنيها وتمييزها ضد مواطنيها العرب أصحاب الأرض الأصليين. وفي هذا الإطار تقدم عزمي بشارة بأطروحته المتمثلة بقيام «دولة لمواطنيها» في إسرائيل، وأطروحته الثانية المتمثلة بإقامة «دولة ثنائية القومية» في فلسطين التاريخية، طارحاً بذلك تحدي الهوية والديمقراطية والمواطنة على إسرائيل، ما أسهم في إثارة الكثير من التساؤلات حول صدقية ديمقراطيتها وعلمانيتها، محلياً ودولياً.

ومن هذا المنظور فإن إسرائيلن التي تعتبر «الخطر الديموغرافي» خطراً استراتيجياً بالنسبة لها، حتى بالنسبة لفلسطينيي الضفة والقطاع، ما جعلها تتحول نحو خطط الانسحاب من طرف واحد من الأراضي المحتلة عام 1967، باتت تنظر بعين الخطورة إلى أطروحات عزمي بشارة كونها تسهم في تعزيز الهوية العربية، ومسار الفلسطنة، لفلسطينيي 1948، لأن نضوج الهوية الوطنية لهؤلاء سيثير المزيد من الشكوك حول صدقية المواطنة والديمقراطية فيها، سواء في المجتمع الإسرائيلي أم على الصعيد الدولي.

كذلك، فإن بشارة لم يشتغل فقط على تفنيد شرعية الصهيونية وأطروحاتها، بل إنه عمد أيضاً على تفنيد الشرعية التاريخية والأخلاقية لإسرائيل، على رغم شرعيتها كواقع، كما شكك في جدوى بقائها كدولة يهودية.

في كل ذلك، استثمر عزمي بشارة، من موقعه الأكاديمي ومكانته السياسية وعضويته في الكنيست، هامش الديمقراطية والمنابر الإعلامية في إسرائيل، لطرح صورة الفلسطيني الجديد واستطاع أن يؤثر على التيارات الإسرائيلية بأفكاره الجريئة والجديدة التي تتميز بالديمقراطية والعلمانية والليبرالية والتمسك بقيم الحق والعدالة والمواطنة. وبالنسبة إلى المشهد الفلسطيني ولا سيما بين فلسطينيي 48، فقد شكل ظهور عزمي بشارة علامة فارقة في السياسة الفلسطينية، سواء بالنسبة إلى مؤيديه أو منتقديه، فهو في وقت واحد رجل سياسي بامتياز ومفكر وأكاديمي وناشط حزبي، وإضافة إلى كل ما تقدم، فإن بشارة يتمتع بشخصيته «كاريزمية»، وهو مثير للجدل بأطروحاته، ويجيد التعامل مع وسائل الإعلام، وهذه كلها ميزات قلما تجتمع في الشخصيات السياسية العاملة في الساحتين الفلسطينية أو العربية.

بديهي أن عزمي بشارة لم يأت من فراغ، فثمة الحزب الشيوعي (راكح) الذي انضم بشارة إليه في فترة سابقة. وقد اضطلع هذا الحزب بدور كبير في الكفاح من أجل الحفاظ على عروبة فلسطينيي 48، ومن أجل المساواة والسلام في إطار «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» (حداش). وثمة تراث «حركة الأرض» التي كانت نشطت في الخمسينات والستينات، وهي حركة قومية عربية. وثمة الحركة الإسلامية على تنوعاتها، فضلاً عن وجود بعض الأحزاب الوطنية المحلية، هذا بالإضافة إلى الفلسطينيين المنضوين في إطار بعض الأحزاب الإسرائيلية (مثل «العمل» و «ميريتس»).

في هذا الإطار تجلى جهد عزمي بشارة في تقديم الأطروحات التي ترشد الحركة السياسية وشعاراتها وأشكال عملها في مناطق 48، ولا سيما لجهة وقف مسار «الأسرلة» لفلسطينيي 1948، عبر مكافحة القوانين التمييزية التي تستند إلى يهودية الدولة، ومن خلال استنهاض الهوية الوطنية الفلسطينية «نحن أصحاب الأرض الأصليون ولسنا مهاجرين»، والانتماء القومي العربي، أو عبر استنهاض الحركة السياسية للفلسطينيين وتوحيد شعاراتهم ومطالبهم ووقف مسار الانتماء للأحزاب الصهيونية. هكذا، وفي أفكاره المثيرة للجدل، التي شكلت تجديداً للفكر السياسي الفلسطيني، تمايز بشارة في أطروحاته عن الحزب الشيوعي، بطرحه فكرة «دولة لمواطنيها»، بتحويل إسرائيل إلى دولة لكل المواطنين اليهود والعرب، بغض النظر عن الدين، أي دولة ديمقراطية علمانية. وبذلك فإن بشارة نقل فكرة المساواة التي كان يطرحها الحزب الشيوعي «راكح» من الحيز الفردي إلى الحيز الجماعي القومي. ومن وجهة نظره، فإن قضية المساواة الفردية، على أهميتها، ليست وحدها بيت القصيد، لأن ثمة جماعة قومية تخضع لقوانين عنصرية ولدولة يهودية، ما يفترض طرح المساواة باعتبارها قضية جماعية أو قضية شعب. كذلك فند بشارة أطروحات بعض القوى التي تناهض المشاركة في العملية السياسية الإسرائيلية (أبناء البلد مثلاُ)، وأكد أن الفلسطينيين في مناطق 48 مضطرون إلى التعامل مع هذا الواقع، واستثماره لاستعادة ذاتهم وحقوقهم وتحقيق طموحاتهم الوطنية.

أما على الصعيد الفلسطيني العام، فقد قدم بشارة إسهاما مهماً لفكرة «الدولة الثنائية القومية»، وهذه الفكرة، التي طرحها عديدون قبله، لاقت من خلاله رواجاً كبيراً، بفضل ميزاته الشخصية وموقعه في الكنيست وشعبيته على الصعيد العربي. وفي هذه الفكرة يؤكد بشارة إن حل الانفصال في دولتين لن يلبي حقوق الفلسطينيين، لأن الشعب الفلسطيني سيجري تقسيمه، ولأنه لن يتم استيعاب حق العودة للفلسطينيين، ولأن الدولة الفلسطينية المفترضة لن تكون كاملة السيادة وربما لن تكون قابلة للحياة، وان هذا الواقع يمكن أن يؤدي إلى قيام نوع من نظام الفصل العنصري (الابارتيد). ومن وجهة نظر بشارة فإن حل الدولة الثنائية يضمن استيعاب المستجدات والتحولات عند الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، ويشكل حلاً ولو نسبياً لمختلف الهواجس والقضايا والرموز لديهما.

طبعاً كان بشارة من معارضي اتفاق اوسلو (1999) إذ رأى فيه حلاً جزئياً وناقصاً، ونوعاً من التسليم بالامتلاءات الإسرائيلية، بدعوى الأمر الواقع وغلبة موازين القوى، كما بين مخاطر هذا الاتفاق، ومخاطر تكون طبقة سياسية فلسطينية متأسرلة وفاسدة (بحسب رأيه) تروج لحل من هذا النوع، يفتقد لقيم الحق والعدالة والتكافؤ.

هكذا، فعدا عن ميزاته الشخصية، التي ذكرناها، فإن مأثرة عزمي بشارة تتمثل بأنه استطاع أن ينقل السياسة الفلسطينية من المرواحة عند السياسة اليومية الشعاراتية والعاطفية، إلى مرحلة التعامل بالسياسة باعتبارها عملاً فكرياً، واعياً، يتأسس على العقل والواقع والمعطيات المحلية والإقليمية والدولية، وموازين القوى، مع التشبث بقيم الحق والعدالة وان بشكل نسبي.

الآن فإن القضية التي يواجهها عزمي بشارة، والتي تحبكها الأوساط الأمنية والسياسية في إسرائيل، ليست قضيته فردية، إنها قضية شعب يحاول أن يواجه المحو ومحاولات التغييب والتهميش والأسرلة، شعب يحاول أن يعبر عن ذاته وعن حقوقه التاريخية وعن هويته الوطنية والقومية. ومن ناحية أخرى، ويا للمفارقة، فإن قضية عزمي بشارة هي أيضاً، تجسد التناقض الذي تعيشه إسرائيل، بين كونها دولة يهودية وديمقراطية، وبين كونها دولة دينية وعلمانية، وبين كونها دولة تعيش على الماضي في حين إنها تدعي بأنها واحة لليبرالية والحداثة في هذه المنطقة، فيما هي تمارس الاحتلال والعنصرية حتى ضد مواطنيها.