من قلب الموت تخلق الحياة، ورغم الحصار والجدار والاحتلال، ورغم كل الصعوبات ورغم القتل اليومي المنظم الذي تمارسه قوات الاحتلال الصهيوني، ورغم كل المعيقات التي تعترض العمل الفني تحت الاحتلال، يصر الشعب الفلسطيني على تأكيد حضوره في كل المجالات، فمن المقاومة التي لا تتوقف، إلى القلم والسينما والموسيقى ومختلف أشكال الفنون، مؤكدا أنه شعب حي عصيّ على الاقتلاع، ومن حقه كباقي شعوب الأرض أن يكون له حريته ودولته المستقلة، وعلى مدرجات مسرح قصر الثقافة في مدينة رام الله، ووسط حضور مكثف من الجمهور لم يترك مقعدا واحدا فارغا إضافة للتواجد في الممرات، تم افتتاح مهرجان رام الله الثاني للرقص المعاصر بعد بدء المهرجان في كل من بيروت وعمان، وقد أشرف على الإعداد طاقم كبير من سرية رام الله الأولى مستفيدين من تجربة المهرجان الأول لتجاوز السلبيات والثغرات وتطوير الايجابيات، وقد بدأ المهرجان بالوقوف دقيقة صمت حدادا على أرواح الشهداء ثم الوقوف للسلام الوطني، ومن ثم ألقى السيد عصام الرفيدي رئيس مجلس الادارة كلمة قال فيها: " دائما تكون الخطوة الأولى هي الأصعب لكنها الأجمل، شكل تنظيم مهرجان رام الله للرقص المعاصر في العام 2006 بداية صعبة، لكنها حققت نجاحا كبيرا، انتقلنا منها إلى خطوة أخرى أكثر صعوبة وجمالا، فكان تأسيس شبكة مساحات للرقص المعاصر مع زملائنا في مسرح مقامات للرقص المعاصر في لبنان، ومركز هيا الثقافي في الأردن..والآن ومع تكثيف الحصار الإسرائيلي على شعبنا الفلسطيني بشكل خاص، وشعوبنا العربية بشكل عام، الآن وبعد أربعين عاما على الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، ها نحن نخترق حاجزهم وحصارهم، نمد جسور التواصل بيننا مثقفين ومبدعين وجمهورا عربا، من خلال ما ستقدمه قافلة فرق عربية وأجنبية ستحط في بيروت وعمان ورام الله.

هذا المهرجان هو مساهمة عملية في ترسيخ مفهوم التعددية الفكرية والثقافية، وتأكيد على ضرورة التواصل الثقافي بين الأشقاء العرب، انه ليس أياما للفرجة والمتعة فحسب، بل منبر للحوار والتعارف".

ثم ألقى السيد بسام الصالحي وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية كلمة مختصرة قال فيها: " اسم المهرجان "مساحات"، والمساحات أكبر من الجدران التي تحيط بنا، والفن أكبر من كل الحواجز".

ثم جرت عملية تكريم للمصور أسامة السلوادي ضحية الفلتان الأمني، الذي أصيب برصاصة مجهولة أثناء إطلاق النار في مدينة رام الله مما أدى لإصابته بالشلل النصفي، حيث حضر للمسرح على مقعد متحرك، ولاقت هذه الخطوة استحسان وتقدير الجمهور الذي وقف مصفقا بقوة، معبرا عن حالة من التعاطف مع المصور أسامة، والرفض لعصابات الانفلات الأمني التي مارست كل أشكال القهر والفوضى ومخالفة القانون.

وستشارك بالمهرجان العديد من فرق الرقص المعاصر من العديد من الدول ومنها على سبيل المثال الدانمرك والبرازيل وألمانيا واسبانيا وجنوب إفريقيا وصربيا والبرتغال وفرنسا، إضافة إلى العديد من الفرق العربية والمحلية، رغم منع العديد العديد من الفرق من الحضور لفلسطين، إضافة لعدم إمكانية حضور بعض الفرق العربية للمساهمة في مهرجان رام الله. ثم بدأت الفعاليات من خلال عرض قدمته فرقة من البرازيل، تمكنت من الوصول وافتتاح عروض المهرجان رغم منع الراقص الأساسي في الفرقة من دخول فلسطين، وهو فنان من كوبا، وقد لاقى العرض استحسان الجمهور وتصفيقه الحاد.

عن الفرقة: تناغماً مع لغات الرقص الحديث، أسست فرقة داسيا بلاسيو للفنون العام 1971 من قبل كارلوس ليتي (1914-1995)، وهو راقص سابق في المسرح البلدي في ريو دي جانيرو. حالياً، وتحت إدارة كريستينا ماشادو، تستفيد الفرقة من الإمكانيات الخلاقة للراقصين، وتحث وتروج لمسار جديد في بؤرة الرقص المعاصر.

حول العرض: Coreografia de Cordel تكشف رؤية الراقصين ومشاعرهم نحو واقع فالي دو جيكويتنهونها، في شمال ولاية ميناس جيرايس. وهي نتاج أكثر من عام من البحث والدراسة والاهتمام بالتقنيات، بالتعاون بين الفنانين والباحثين في مجالات عدة (الرقص، الفنون التشكيلية، الأدب، المسرح، مروجو الفن والأنثروبولوجيا).

إن افتتاح هذا المهرجان وفي ظل هذه الظروف الصعبة، ورغم الاحتلال والقمع والقتل اليومي، والحضور المكثف من الجمهور وتفاعله مع العرض الأول، لدلالة مؤكدة على تعطش الجمهور الفلسطيني للثقافة والفن، وقدرة هذا الشعب على نفض أثار الدمار اليومي والإصرار على المقاومة بكافة الوسائل، وإصراره على أن الشعب الفلسطيني يبقى شعبا حيا من حقه الحرية وبناء دولته المستقلة.